محسن باقر الموسوي

105

علوم نهج البلاغة

إليه ولوه الحمام ، جعله سبحانه علامة لتواضعهم لعظمته وإذعانهم لعزّته ، واختار من خلقه سمّاعا أجابوا إليه دعوته ، وصدّقوا كلمته ، ووقفوا مواقف أنبيائه ، وتشبّهوا بملائكته المطيفين بعرشه ، يحرزون الأرباح في متجر عبادته ، ويتبادرون عنده موعد مغفرته ، جعله سبحانه وتعالى للإسلام علما ، وللعائذين حرما ، فرض حجّه وأوجب حقّه ، وكتب عليكم وفادته ، فقال سبحانه : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ « 1 » « 2 » . ثالثا : بناء البيت ألا ترون أنّ الله سبحانه اختبر الأولين من لدن آدم ( صلوات الله عليه ) إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار لا تضّر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع . فجعلها بيته الحرام الذي جعله الله للناس قياما ، ثم وضعه بأوعر بقاع الأرض حجرا ، وأقل نتائق الدنيا مدرا ، وأضيق بطون الأودية قطرا : بين جبال خشنة ورمال دمثة ، وعيون وثلة ، وقرى منقطعة لا يزكو بها خف ، ولا حافر ولا ظلف . ثم أمر آدم عليه السّلام وولده أن يثنوا أعطافهم نحوه فصار مثابة لمنتجع أسفارهم وغاية لملقى رحالهم ، تهوي إليه ثمار الأفئدة ، من مفاوز قفار سحيقة ، ومهاوي فجاج عميقة ، وجزائر بحار منقطعة ، حتى يهزّوا مناكبهم ، ذللا يهللون لله حوله ، وترحلون على أقدامهم شعثا غبرا له . قد نبذوا السرابيل وراء ظهورهم وشوّهوا بإعفاء الشعور محاسن خلقهم ، ابتلاء عظيما ، وامتحانا شديدا واختبارا مبينا ، وتمحيصا بليغا ، جعله الله سببا لرحمته ، ووصلة إلى جنته ، ولو أراد ( سبحانه ) أن يضع بيته الحرام ومشاعره العظام بين جنّات وأنهار ، وسهل وقرار جمّ الأشجار ، داني الثمار ، ملتف البنى ، متّصل القرى ، بين برّة

--> ( 1 ) سورة آل عمران : 97 . ( 2 ) خطبة : 1 .