السيد كمال الحيدري

53

العرش والكرسى في القرآن الكريم مراتب العلم الالهى وكيفيه وقوع البداء فيه التوحيد

مُوسَى صَعِقاً وبصيرورة الجبل دكّاً أي مدكوكاً متحوّلًا إلى ذرّات ترابية صغار ، بطلت هويّته وذهبت جبليّته وقضى أجله . وقوله : وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً ظاهر السياق أنّ الذي أصعقه هو هول ما رأى وشاهد ، غير أنّه يجب أن يتذكّر أنّه هو الذي ألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين تلقف الألوف من الثعابين والحيّات ، وفلق البحر فأغرق الألوف ثمّ الألوف من آل فرعون في لحظة ، ورفع الجبل فوق رؤوس بني إسرائيل كأنّه ظلّة ، وأتى بآيات هائلة أخرى ، وهى أكثر هولًا من اندكاك جبل وأعظم ، ولم يصعقه شئ من ذلك ولم يدهشه . واندكاك الجبل أهون من ذلك ، وهو بحسب الظاهر في أمن من أن يصيبه في ذلك خطر ، فإنّ الله إنّما دكّه ليشهده كيفيّة الأمر . فهذا كلّه يشهد أنّ الذي أصعقه إنّما هو ما تمثّل له من معنى ما سأله وعظمة القهر الإلهى الذي أشرف أن يشاهده ولم يشاهده ، وإنّما شاهد الجبل فآل أمره إلى ذلك الانكاك العجيب الذي لم يستقرّ مكانه ولا طرفة عين ، ويشهد بذلك أيضاً توبته عليه السلام بعد الإفاقة كما في قول الله تعالى : فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ توبةً ورجوعاً منه عليه السلام بعد الإفاقة ، إذ تبيّن له أنّ الذي سأل قد وقع في غير موقعه ، فأخذته العناية الإلهيّة بتعريفه ذلك وتعليمه عياناً بإشهاده دكّ الجبل بالتجلّى