محمد حسين علي الصغير

178

الصوت اللغوى في القرآن

الدعة والاحتياج ، يضاف إلى ذلك الدعاء من الأعماق « وقل رب ارحمهما » مجازاة على تربيته صغيرا ، والرحمة وارحمهما ، لفظان متلازمان في بحة الحاء المنطلقة من الصدر فهي صوتيا مثلها دلاليا من القلب وإلى القلب ، ومن الشغاف إلى الشغاف ، وهنا يظهر أن الرحمة ظاهرة واقعية تنبعث من داخل النفس الإنسانية ، فيتفجر بها الضمير الحي النابض بالطهارة والنقاء والحب السرمدي ، فهي إذن لا تفرض من الخارج بالقوة والقهر والاستطالة ، وإنما سبيلها سبيل الماء المتدفق من الأعالي لأنها صفة ملائكية ، تمزج الإنسانية بالصفاء الروحي . « والرحمة رقة تقتضي الإحسان إلى المرحوم ، وقد تستعمل تارة في الرقة المجردة ، وتارة في الإحسان المجرد عن الرقة نحو : رحم اللّه فلانا . وإذا وصف به الباري فليس يراد به إلا الإحسان المجرد دون الرقة ، وعلى هذا روي أن الرحمة من اللّه إنعام وإفضال ، ومن الآدميين رقة وتعطف » « 1 » . فاللّه تعالى تفرد بالإحسان في رحمته إلى رعيته فجاء له الحمد مساوقا لهذه الرحمة الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 2 ) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 3 ) « 2 » . ونشر الرقة بين البشر في الطباع لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ « 3 » . ولو تابعنا أصل المادة لغويا لوجدنا ملاءمتها للمعنى صوتيا في الرقة واللحمة والتناسب ، فالرحم رحم المرأة ، قال تعالى : هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ « 4 » . ومنه استعير الرحم للقرابة لكونهم من رحم واحدة نسبيا ، لذلك قال تعالى : وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ « 5 » . ولولا قرابتهم لما كانت الولاية بينهم . فكان الالتصاق في الرحم قد نشر الالتصاق بالولاية من جهة ، وجدد الرحمة بالرقة والمودة والعطف الكريم .

--> ( 1 ) الراغب : المفردات : 191 . ( 2 ) الفاتحة : 2 - 3 . ( 3 ) الفتح : 25 . ( 4 ) آل عمران : 6 . ( 5 ) الأنفال : 75 .