محمد حسين علي الصغير

146

الصوت اللغوى في القرآن

ينتقل منه فورا إلى نسق آخر في فاصلة تقف عند النون دون التفات إلى الصيغة الأولى الساربة في طريقها البياني كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 3 ) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 4 ) « 1 » . فإذا جاز للقرآن الانتقال بها ، جاز له الانتقال فيما قبلها كما هو ظاهر ، بل أن هذا اللفظ « المقابر » يفرض نفسه فرضا بيانيا قاطعا ، دون حاجة إلى النظر في الفاصلة معه ، أو مع محسّنات الفاصلة ، وذلك أن هذا الإنسان المتناسي الطاغي المتكاثر بأمواله ولذاته ، وشهواته ، ومدخراته ، ونسائه ، وأولاده ، ودوره ، وقصوره ، وخدمه ، وحشمه ، وإداراته ، وشؤونه ، وسلطانه ، وعنوانه ، وهذا كله تكاثر قد يصحبه التفاخر ، والتنابز ، والتنافر ، أقول : إن هذا مما يناسبه لفظ « المقابر » بلاغيا ولغويا ، فالمقابر جمع مقبرة ، والمقبرة الواحدة مرعبة هائلة ، فإذا ضممنا مقبرة مترامية الأطراف إلى مقبرة مثلها ، ومقبرة أخرى ، ازددنا إيحاشا ورعبا وفزعا ، فإذا أصبحت مقابر عديدة ، تضاعف الرعب والرهب ، إذن هذا التكاثر الشهواني في كل شيء ، يوافقه - بدقة متناهية - الجمع المليوني للقبور ، لتصبح مقابر لا قبورا ، ولو قيل في غير القرآن بمساواة القبور للمقابر في الدلالة لما سدّ هذا الشاغر الدلالي شيء آخر من الألفاظ ، فهو لها فحسب « 2 » . إذن ليست هذه الصيغة البلاغية في استعمال المقابر مجرد ملائمة صوتية للتكاثر ، وقد يحسّ أهل هذه الصنعة ونحن معهم فيها ، نسق الإيقاع ، وانسجام النغم ، ولكن ليس هذا كل شيء « 3 » . ولا يعني هذا التغافل عن مهمة الانسجام الصوتي ، والواقع الموسيقى في ترتيب الفواصل القرآنية ، فهي مرادة في حد ذاتها إيقاعيا ، ولكن يضاف إليها غيرها من الأغراض الفنية ، والتأكيدات البيانية ، مما هو مرغوب فيه عند علماء البلاغة ، فقوله تعالى : فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ( 9 ) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ( 10 ) « 4 » . فقد تقدم المفعول به في الآيتين ، وهو اليتيم في الأولى ،

--> ( 1 ) التكاثر : 3 - 4 . ( 2 ) ظ : المؤلف ، تطور البحث الدلالي : 70 بتصرف . ( 3 ) ظ : بنت الشاطي ، التفسير البياني : 1 / 207 بتصرف . ( 4 ) الضحى : 9 - 10 .