محمد حسين علي الصغير
147
الصوت اللغوى في القرآن
والسائل في الثانية ، وحقه التأخير في صناعة الاعراب ، وقد جاء ذلك مراعاة لنسق الفاصلة من جهة ، وإلى الاختصاص من جهة أخرى ، للعناية في الأمر . ولعل ابن الأثير ( ت : 637 ه ) كان مصيبا جدا حينما أرجع ذلك إلى الاختصاص ونظم الكلام ، ولم يقل بأحدهما « 1 » . بينما عاد بها إبراهيم أنيس إلى مراعاة موسيقى الفاصلة القرآنية إذ لا يصح للمفعول أن يسبق ركني الاسناد في الجملة المثبتة كما يزعم أصحاب البلاغة « 2 » . وقد رده الدكتور أحمد مطلوب في هذا الملحظ ، لأن الهدف ليس القهر والنهر في المقام الأول ، وإنما الرجحة باليتيم والسائل ، ولذلك تقدم المفعولان على فعليهما ، ولو كان القصد غير ذلك لتأخرا وجاءا على نسق الكلام المحفوظة رتبته « 3 » . ومهما يكن من أمر ، فإن السجع عند العرب مهمة لفظية تأتي لتناسق أواخر الكلمات في الفقرات وتلاؤمها ، فيكون الإتيان به أنى اتفق لسد الفراغ اللفظي ، وأما مهمة الفاصلة القرآنية فليس كذلك ، بل هي مهمة لفظية معنوية بوقت واحد ، إنها مهمة فنية خالصة ، فلا تفريط في الألفاظ على سبيل المعاني ، ولا اشتطاط بالمعاني من أجل الألفاظ ، بينما يكون السجع في البيان التقليدي مهمة تنحصر بالألفاظ غالبا ، لذلك ارتفع مستوى الفاصلة في القرآن بلاغيا ودلاليا عن مستوى السجع فنيا ، وإن وافقه صوتيا . وهنا نشير إلى أن ابن سنان الخفاجي ( ت 466 ه ) قد ردّ جزءا من هذه المفاضلة بين السجع والفاصلة ، وخلص إلى سبب التسمية في معرض نقاشه لعلي بن عيسى الرماني ، « وأما قول الرماني إن السجع عيب ، والفواصل على الإطلاق بلاغة فغلط ، فإنه إن أراد بالسجع ما يتبع المعنى ، وكأنه غير مقصود فذلك بلاغة ، والفواصل مثله ، وإن كان يريد بالسجع ما
--> ( 1 ) ظ : ابن الأثير ، المثل السائر : 2 / 39 . ( 2 ) ظ : إبراهيم أنيس ، من أسرار العربية : 312 . ( 3 ) ظ : أحمد مطلوب ، بحوث لغوية : 58 .