الشيخ أحمد بن علي البوني

73

شمس المعارف الكبرى

الحروف مجملة في العلم . فافهم معنى الإكمال والتداخل تلح لك معاني أسرار روحانية عظيمة تصل برشد في علومها فافهم ذلك . واعلم أن الأولياء رضي اللّه تعالى عنهم تكلموا في علم الحروف والأسماء على نوادر زاهرة ، وأفيضت عليهم من منبع الاختصاص عند حصول اليقين في قلوبهم والإخلاص ، فاختصوا في علم الأسماء على من سواهم بثلاثة أشياء . أحدها : أنهم فهموا معاني الأسماء التسعة والتسعين اسما بتأييد وإلهام ما لا يعلمه غيرهم بالنظر والبرهان . والثاني : أنهم علموا أسماء باطنة وراء هذه التسعة والتسعين . والثالث : أنهم اختصوا بالاطلاع على الاسم الأعظم . وأما الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإنهم علموا التسعة والتسعين بنور الوحي ما لم تعلمه الأولياء بالإلهام ، وذلك أنهم علموا علوم الأسماء الباطنة من علم اسم اللّه الأعظم ، وكل اسم من هذه الأسماء لا يعلم ما هو عليه إلا الذي تسمى به واتصف بمعناه وهو : اللّه وحده لا شريك له ووراء هذه الأسماء كلها التي علمها اللّه تعالى أنبياءه وأولياءه ما استأثر اللّه تعالى به في علم الغيب عنده ، ولم يطلع عليه نبي مرسل ولا ملك مقرب . وأول ما خص اللّه به العبد إذا أراد أن يتولاه علمه العلم اللدني ، فيكون وليا عالما ، وأن يخصه من علم التسعة والتسعين اسما ، فيفتح له منها من العلوم ما لا يفتح للعالم بطريق النظر ، ثم يرقيه إلى معرفة الأسماء الباطنة والظاهرة منها كما رجعت الظاهرة إلى اللّه تعالى ، وبعد معرفته هو يعلمه الأشياء الباطنة التي هي حروف مفردة وهي الأربعة عشر حرفا الواردة في القرآن العظيم في فواتح السور وهي الأحرف النورانية المتقدمة ، وبعد فهمها ، فهمه اللّه تعالى الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب ، وإذا سئل به أعطى ، وإنما يأخذ الاسم الأعظم من الخضر عليه السّلام في أكثر الأقوال ، وقد يتلقاه الولي بالامام عند هبوب الرحمة على العبد ، وطريق أخذه في الأولياء مختلف يطول في تفصيله ، وآخره أنه تطوى له الأرض ويمشي على الماء ، ويطير في الهواء ، وتقلب له الأرض والأعيان إلى غير ذلك من الكرامات التي اختص اللّه بها الأولياء . وهذا ليس بعلم صحف ، وإنما هو مخصوص بين العبد وربه . قال عليه الصلاة والسلام : إنما قام الوجود كله بأسماء اللّه تعالى الباطنة ، ثم الظاهرة المقدسة ، وأسماء اللّه تعالى المعجمة الباطنة أصل لكل شيء من أمور الدنيا والآخرة وهي خزانة سره ومكنون علمه ، ومنها تفرع أسماء اللّه تعالى كلها ، وهي التي تقضى بها الأمور ، وأودعها أم الكتاب . وقد سئل ابن الحنيفة عن كهيعص فقال للسائل : لو أخبرتك بتفسيرها لمشيت بها على الماء ، ولم تبتل قدماك . وقال سهل بن عبد اللّه أتى رجل إلى إبراهيم بن أدهم فقال ما تقول في يس قال فيها اسم من دعا به أجيب برا كان أو فاجرا . فصل في معاني الحروف الأربعة عشر التي في أوائل السور ولكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي في أوائل السور معنى وشيء ، لو أطلع اللّه تعالى عليها العبد نال كرامة من لدنه ، وقد صح في الحديث عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال لأصحابه : إذا لقيتم العدو