الشيخ أحمد بن علي البوني

543

شمس المعارف الكبرى

وهذا دعاء عظيم تقول : اللهم يا من نسبة العلوم إلى علمه نسبة شيء إلى شيء لا يتناهى ، أظهرت الحروف بالقلم ، فكان لها تصريف في لوح الملكوت ، فقام لها مقام مخارج الحروف من الحلق والصدر واللسان ، فكل اسم صدر عنه جنس لا بقلم تركيبه سوى منك قلمك ، وكل نوع صدر عنه مركب ، فلوح إسرافيل ظهره بقوة ما في آحاد كلياته من جزئيات تراكيبه ، أسألك بهذا السر الخفي الذي وقف أهل العقل دونه ، وتقدم إليك السر بسر أودعته فيه يا مهيمن يوم إمكان وجوده ، أسألك كشف حجاب الغيب حتى أعاين الغيب بما فيه بتمامه حتى الروح الباقي ، يا حي ياه يا هو ، يا أنت يا خالق يا بارىء يا مصور أنت هو . ويناسب هذه الدعوة جملة من أسماء اللّه تعالى وهي تحتوي على خمسة أذكار لأهل الطريق على حسب اختلافهم ، وهو يوقظ أهل الغفلات وينعش أهل المعاملات ، ويقرب أهل البدايات ، ويكشف لأهل الهدايات والمكاشفات يوضح لأهل المشاهدات ، ويفيد كل أحد بحسب توجهه محمول أو منقوش في معدنه ، أو يكتب ويشرب مع ملازمة الذكر لها والتأثير وتعظيم حرمات اللّه ، والكشف على سائر المعارف كلها ومنبع علومها وهي الملازمة ، أظهر عوالم التوفيق وسر التحقيق وأصول التوحيد ، وإجابة الدعاء والأدب فيها ، ويتأكد في ابتداء كل دعاء التوبة وذكر محامد اللّه تعالى والثناء على اللّه تعالى والتشفع بالنبي صلى اللّه عليه وسلم وأكل الحلال وجمع الهمة وحضور القلب ، والتبري من الحول والقوة وترك الالتجاء لغير اللّه تعالى وحسن الظن باللّه تعالى ، وإظهار ذل العبودية للربوبية . وإن كانت المقادير جارية في الأزل بالأمر الواقع المسؤول زواله ، وعلم الرضا بالقضاء والقدر . وهذه الجملة اجتمع فيها سائر خواص الأسماء وتأثيراتها وهي هذه : هو اللّه الذي لا إله إلا هو الملك القدوس ، الواحد الأحد الفرد الصمد الرب ، أنت كاشف الأسرار والقلوب وما عداه من الأسماء ، وهو حقيقة الإله الواحد الفرد ، وقد بين لنا ذلك النبي صلى اللّه عليه وسلم بقوله : « أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له » فلذلك هي أول ذكر يأمر به المشايخ أصحابهم من أهل التوحيد ، وهو ذكر الخواص والسالكين ، وبها منبع الأسرار ومنتهى الأشياء . وقس على ذلك مثاله : التوّاب للتوابين ، والشكور للشاكرين ، والحسيب لأهل الكفاية ، والوكيل للمتوكلين ، وهكذا في جميع الأسماء ، وللرجال في هذا مجال بحسب المتوجهين واشتراك المقامات وتوحيدها ، وبهذا عرفوا أهل التنزيه من غيرهم ، واسم اللّه والإله ذكر الذاكرين والمولهين غالبا ، والواحد والأحد ذكر السالكين المتعلقين بأسرار التوحيد ، والصمد للمرتاضين بالجوع . وهذه الدعوة يدعى بها ليلة الجمعة ، أول الثلث الثالث من الليل تقول : إلهي تعالى مجدك تعالى جدك تعالى قدسك تعالى سرك تعالى جلالك ، يا جميل الأسماء يا جليل الأفعال يا متعالي على العلويات ، كل معراج فإلى باب اسمك العلي انتهاؤه ، وكل سلم للصعود فباسمك عروجه وابتداؤه ، تجليت في أسمائك فظهر التجلي في أفعالك حتى أشرق الكون بإشراق تجليك ، وكل موحد إنما يوحد بما ظهر له من تجليك ، ويتصرف بسر ما أسررت فيه من معرفة أسمائك ويعرف بما تعلق به من تعلم علمك في أوليته من إيجاده بك ، فأنت رفيع الدرجات ، فالكل بك ترتيبه ، ومنك تقريبه ، أسألك بحق أسرار