الشيخ أحمد بن علي البوني

519

شمس المعارف الكبرى

فصل في اسميه تعالى مالك الملك ذي الجلال والإكرام بسم اللّه الرحمن الرحيم اعلم أن معنى مالك الملك هو الذي ينقل مشيئته في خلقه كيف شاء ، أو كما يشاء إيجادا وإعداما وبقاء وفناء ، والملك يعني المالك ، والمالك القادر التام القدرة ، والموجودات كلها ملكه ، ومالكها أي قادرها ، وإنما كانت الموجودات كلها مملكة واحدة لأنها مرتبطة بعضها ببعض فإنها وإن كانت كثيرة مزدوجة ، فلها وحدة مزدوجة ومثاله : بدن الإنسان فإنها مملكة لحقيقة الإنسان ، وهي أعضاء كثيرة مختلفة ، ولكنها متعاونة على تحقيق الغرض المدبر الواحد . وأجزاء العالم كأعضائه ، وهي متعاونة على مقصود واحد ، وهو تمام الغاية على ما اقتضاه الوجود الإلهي ، لأجل تناظمها على ترتيب ما سبق ارتباطها برابطة واحدة كانت مملكة ، واللّه تعالى مالكها ، ومملكة كل عبد ببدنه خاصة ، فإذا نفذت مشيئته في صفات قلبه وجوارحه ، فهو مالك الملك بقدر ما اقتدر من القدرة الإلهية مطلقا . والجلال والإكرام هما مطلقان ، والجلال صفة ذاته ، والكرم صفة فعله لأنه مقتضية على خلقه عليها . وأما ذو الجلال والإكرام ، فمختص بكرامة العالم الآدمي قال تعالى : وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ إلى الطَّيِّباتِ ، وتقدم ذلك في معنى اسمه : الكريم ، ولسنا بصدد الإطالة ، والإكرام منه خاصة وهو الإنعام ، وهو كرمه للطائع والعاصي ، والمؤمن والكافر بإسباغ النعم ، وتتابع الآلاء والفضل العميم وهو قوله تعالى : وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ، وهذه جملة من حيث الإيجاد والتسخير للعالم الإنساني بالكرم . وأما إكرامه لعباده المؤمنين بخصوص وصف يعبر به ذلك ، أن يكرم عليه بأن أقامه على خدمته وعلمه أسباب قدرته ، وأشهده حقائق درجاتهم في حياته ، فوعدهم على لسان نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، وأيضا بالسر الذي اختصه به ، أن جعله من أهل اليمين وكرمه ونعمه في الدنيا في تعلق القلب بالجزاء عليها ، ونعمه في الآخرة مستوفية عنده من أعمال الجزاء . وأما جلاله فهو الذي عم جميع الأكوان على رؤيته في الدنيا بهيبة الجلال ورهبة العظمة ، وذلك إلى يوم القيامة ، فتعود أنوار النظر عليهم ضياء يتجدد له به قوة إدراك في النظرة الثانية ، فوجودهم تأخير ، وكما قال اللّه تعالى في محكم التنزيل ، وقيل : إن حملة العرش ملائكة وجوههم كصور العجل ، وضعوا أيديهم على وجوههم حياء من اللّه تعالى ، لما جاء موسى وكانوا عبدوا العجل ، وأراد موسى قتل السامري ، فمنعه اللّه تعالى من ذلك ، وقال : لا تقتله فإنه كان كريما . واعلم أن الجلال والعظمة هما مبادي أحوال الإنس والجن ، وهو أوسط الأحوال ، والاستغراق والفناء هما انتهاء الأحوال ، فما كان في أول الأحوال برزت عليه صفة الجلال ، ومن كان متوسطا في الأحوال برز عليه البسط ، ومن كان في انتهاء الأحوال ، برزت عليه أحوال التمكين ظاهرا وباطنا . وحكي عن ابن الجلال أنه قال : كنت راكبا على جمل ، فغاصت رجل الجمل في الرمل ، فقلت : جل اللّه ، فأجاب الجمل : جل اللّه ، فكان للجمل قوة الاستعداد على وجهين : الأول أن الجمل كان قاصدا للّه تعالى ، والشاهد في ذلك قوله صلى اللّه عليه وسلم : « لو كنتم في جبل لحييتم على اللّه » والوجه الثاني أن الجمل لما يغلب عليه مبادئ الأحوال الواردة على الجلال لم يطق الجمل لكثافته أن يتحمل الأحوال الواردة عليه ، وعلم من جلال اللّه ، فأنطق اللّه تعالى سر حقيقة الحال على لسان الجمل ، لأن الجمل وإن كان حيوانا ففيه الروح التي نطقت من حقيقة الحال ،