الشيخ أحمد بن علي البوني
510
شمس المعارف الكبرى
واتخذني بفضلك حبيبا من الأحباب ولا تبدلني الفعل والحجاب إنك أنت اللّه الوهاب القادر المقتدر . فصل في اسميه تعالى المقدم المؤخر اعلم أن المقدم المؤخر هو الذي يقرب ويبعد ، فمن قربه فقد قدمه ومن أبعده فقد أخره ، واللّه تعالى قرب أنبياءه وأولياءه بقربه وهدايته لهم وأخر أعداءه بإبعادهم وضرب الحجاب بينهم وبينه ، والملك إذا قرب شخصين مثلا لكن جعل أحدهما أقرب إلى نفسه فيقال : قدمه أي جعله مقدام غيره ، والتقدم تارة يكون في المكان وتارة في الرتبة وهو مضاف لا محالة إلى متأخره ، ولا بد فيه من قصد هو الغاية بالإضافة إليه لتقدم ما تقدم وتأخر ما تأخر والقصد هو اللّه ، لأنك إذا جعلت تقدمهم وتأخرهم على توقيرهم في الصفات فمن حملهم على التوقير بالعلم ، وهو بآثار ذواتهم ودواعيهم إلى الصد عن الصراط المستقيم ، وذلك كله من اللّه تعالى ، فهو المقدم والمؤخر ، والتقديم والتأخير في الرتبة ، وفيه إشارة إلى أنه تعالى لم يتقدم من تقدم بعلمه بل بتقديم اللّه إياه ، وكذا المتأخر ، وقد صرح بذلك في قوله تعالى : الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى الآية وقوله تعالى : وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها فقدم المؤمنين وأخر الكافرين ، والسالك بهذين الاسمين يشرف على أهل القبضتين ، ويطلع على الذين أخرهم اللّه ، وأما اسمه المقدم إذا تلاه السالك ينزل الملك طرفيائيل عليه في النوم أو اليقظة ويرفعه في الآفاق . وخواصه : للهيبة والمحبة لجميع المخلوقات ، وإذا كتب وحمل فإن حامله ينال كمال الرتبة ، ومن اتخذه ذكرا رفع اللّه تعالى قدره ونال الرتبة العليا . وأما اسمه تعالى المؤخر ، فهو اسم عظيم نافع للقوى النفسانية ، وخادمه حرجيائيل عليه السّلام فإذا تلاه السالك عدده في خلوته ، نزل عليه وأمده بعوالمه ، ومن كتب هذين الاسمين في لوح من أسرب ، وكتب اسم الملك القائم به معكوسا ، وكتب اسم شخص وحمله ، فإنه ينال الحظ الوافر والذكر بين العوالم كلها وهذه صورتهما : وأما الذكر القائم بهذين الاسمين فتقول : بسم اللّه الرحمن الرحيم اللهم أنت المقدم المؤخر سبقت مشيئتك في خلقك ، تقسم الرحمة على كل موجود أجبته من الجليل والحقير وحكمت بالشقاوة على من أبعدته من كل خير ، أسألك بجريان قلم التسطير والتحرير وإتقان حسن التصوير والتقدير وإحاطة علمك بالتسويد ، أن تجعلني من المقدمين إليك بحسن الوصلات وقضاء الحاجات ، ولا تجعلني من التأخير وأسباب التدبير وأهل الضيق والتقتير ، اللهم قدمني وانصرني على من يعاديني ، وأخر بالعجز والخذلان من يريد ضرري ، وأيدني بالنصر يا مقدم يا مؤخر يا رب العالمين . ما من عبد لازم على هذا الذكر إلا شرح اللّه صدره ، ونشأ في الموجودات ذكره ، ووفق للعمل الصالح .