الشيخ أحمد بن علي البوني
511
شمس المعارف الكبرى
فصل في اسميه تعالى الأول الآخر بسم اللّه الرحمن الرحيم اعلم أن الأول هو الذي يكون أولا بالإضافة إلى شيء ، والآخر يكون آخرا بالإضافة إلى شيء وهما متناقضان ، ولا يتصور أن يكون الشيء الواحد من وجه واحد بالإضافة إلى شيء واحد أوّلا وآخرا ، بل إذا نظرت ترتيب الوجود ولا حظت سلسلة الموجودات المدركة للّه تعالى بالإضافة إذ أول الموجودات بكمال استعداد الوجود منه وهو موجود بذاته ، والجميع استعداد للوجود من غيره ، ومهما نظرت إلى ترتيب سلوك السالكين إليه فهو آخر ، إذ هو آخر ما ترتقي إليه درجات العارفين ، وكل معرفة تحصل قبل معرفته فهي مرقاة إلى معرفة المنزل الأقصى الذي هو معرفة اللّه تعالى ، فهو آخر بالإضافة إلى السلوك ، أول بالإضافة إلى الوجود ، فمنه المبدأ أولا ، وإليه يرجع الأمر كله ، وإليه المصير أولا وآخرا ، بل إذا نظرت إلى الموجودات وتصريف المقادير إلى آثارها رأيت اللّه تعالى بالإضافة إليها أوّلا لأنها مستفادة الوجود منه ، وهو تعالى موجد الأشياء ، ولم يستفد الوجود من غيره ، ومهما نظرت إلى مقامات العارفين ومنتهى أطوار السالكين وأفكار المتفكرين فهو آخر وهو آخر ما ترتقي إليه قال تعالى : و إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى فهو أول بالإضافة إلى الوجود ، والآخر بالإضافة إلى الصعود ، فإذا تبين لك حقيقة ذلك ، فاعلم أنه الأول والآخر والظاهر والباطن ، والأولية صفة ذاتية وتوحيد لوجوده ، والأخروية صفة قائمة لخلقه وبقائه بعد فنائهم كما كان قبل وجودهم حكما لا يكون معه في الأول غيره لأنه لا يكون ولايته يقتضي ترتيب المقام وتعداد عدد ، فذلك لا يكون معه فيما يزال غيره لأنه أمر ينتهي إليه السالك ، وإليه انتهت عوارف العارفين الأول والآخر عن الأمر الذي أراده والقدرة التي قدره ، والأولية إخبار عن قدمه تعالى ، والأخروية إخبار عن استحالة عدمه ، وذلك ما قاله الشبلي رحمه اللّه تعالى : الحروف قبل الحدود . وقبل الحروف أشار إلى القدم تعالى مجده لا حد لذاته ولا حروف بلهاة في كلامه ، وقد سئل الجنيد رحمه اللّه تعالى عن ذلك فقال : هو إفراد الموحد وتحقيق وحدانيته وكمال أحديته ، أنه الواحد الذي لم يلد ولم يولد ، ينفي الأضداد والأنداد والأشباه ، بل لا تشبيه ولا تشكيل ، ولا تمثيل ولا تصوير ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، فعليك يا أخي أن تكون أولا في القرب إليه ، وآخرا في فعل العبودية بين يديه ، فإنك إن كنت أولا في القيام إليه أقام باطنك في مشاهدة الأولية في التوحيد ، وإن كنت آخرا بذلّ عبوديتك جعلك آخر انتهاء المقربين ، وأشهدك حقائق الآخرة على سر كشف وضعها وبقائها وديموميتها . واعلم أن لطائف التوحيد أرق وألطف من أن يخرج بكشف العبارة ، وقد سئل الجنيد رحمه اللّه تعالى عن التوحيد فقال : سمعت قائلا يقول هذين البيتين : وغنى لي من قلبي * وغنيت كما غنى وكنا حيث ما كانوا * وكانوا حيث ما كنا قال السائل هل القرآن والإحسان فقال : لا ولكن الموحد أوغل في التوحيد من أجل الخطاب ، فالأول بمعنى السابق في وصفه أنه القديم لا ابتداء له ولا انتهاء له ولا انفصال لوجوده ، وكونه أولا يقتضي أن يكون معه غيره قديما ، وليس إذا كان آخرا لا يجب أن يكون معه غيره فيما يزال ، فهو الذي