الشيخ أحمد بن علي البوني

461

شمس المعارف الكبرى

العلماء الوارثون لهم العزة النبوية ، وحياة القوم وحقيقتها في الإيمان حياة القلوب الخدمة للّه ، وحياة اللّه بمحبة اللّه ، وحياة الأجسام بالقيام بأوامر اللّه ، إذا استكمل العبد هذه المقامات دعي عزيزا . ومن أراد حقيقة التحقيق بهذا الاسم فليصبر على عز الربوبية بسر العبودية والتسليم قال صلى اللّه عليه وسلم : من تواضع لغني لأجل غناه ذهب ثلثا دينه . لأن المرء بثلاثة أشياء قلبه ولسانه ويده ، فإذا تواضع بلسانه ذهب بثلث دينه ، وإن تواضع بقلبه ويده ذهب بثلث دينه والمتخلق بهذا الاسم لا يتلو معه شيئا ، ويكون خاليا عن الناس تاركا للشهوات ، ويكون غنيا باللّه تعالى ، وهذا الاسم من أذكار المتوكلين لأن المعتمد على هذا الاسم يرزقه اللّه من حيث لا يحتسب . ومن كتب مربعه في خاتم من فضة أو ذهب وحمله ، مع الملازمة على التلاوة رزقه اللّه العزة . وإذا وفق عدده مع اسم شخص ، واتخذه ذكرا فتح اللّه عليه أبواب العزة ، وكان مهابا عند العوالم السافلة والعلوية . وأما الذكر القائم به : بسم اللّه الرحمن الرحيم اللهم أنت العزيز الغالب الذي لا تغلب قوته غالب ، أسألك أن تقويني على طاعتك ، وأن تسخر لي عبدك ريضيائيل خادم هذا الاسم يمدني بالهيبة والوقار ويقضي حوائجي ، وأن تحيي قلبي وروحي ببارقة من البوارق النورانية لأتعزز بعز عزتك يا عزيز ، واحفظني وارفعني إلى رتبة الأولياء والصالحين يا رب العالمين ، وثبتني كما ثبت أولياءك المقربين وأهل طاعتك أجمعين . فصل في اسمه تعالى الجبار اعلم أن معنى الجبار هو الذي يمضي حكمه على طريق الإجبار في كل واحد ، ولا يدافعه حذر حاذر . وهو اللّه والجبار المطلق هو الذي يجبر كل أحد ، والنظر في ذلك على أنواع لا تحصى من حيث التفصيل ، لأن أعظم الشواهد في ذلك عالم الملك وهو المعبر عنه بعالم الشهادة إذ هو أقرب الاعتبار للمعتبرين إلا أنه محل ذواتهم ، فالحظ التدبير إلى اللّه إذ أنزل من السماء ماء واحدا برحمته لقدر معلوم تناوله السحاب ، وهو ركن واحد ، وإن اختلفت جهاته نزل إلى سطح الأرض وقوله تعالى : وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ثم النبات منه ما هو قوام الأجساد ومنه ما فيه هلاكها ، ألا ترى النبات صغير الجسم لو تراكم عليه الماء ، وإن كان الماء على الرحمة كان عذابا في حقه لأنه يقضي المحاق ، ومثله النبات الكبير ، فلا بد أن كل عالم له حد معلوم ، كما أن الشجرة محتوية على أصول وفروع ، وهي محتوية على أغصان وورق ، وهما محتويان على زهر وثمر ، ولكل واحد عدد يليق به . والجبار تعالى هو سر الجبر والقهر ، ولولا ذلك لاختل النظام ، وهذه العناصر الأربعة المعظمة القدر التي قام بها نظام العالم . وإن الإنسان إذا هذب نفسه حصلت له الخلاقة والجبرية واستنزلت روحه وتهذبت أخلاقه ، فخدمته الطبائع ، ولولا سر الإمداد وإقامة الطبائع ونسبتها بسر الجبر والقهر ، ولو قام منها عنصر هلك الجسم وفسد ، وإن الجبار جبرها بسر الجبر ، وباقية الجسم قام نظام العالم والكون والفساد ، ولذلك ظهر نظام العالم بسر النسب والإضافات ، فإن الأنساب كلها أسماء اللّه وهي النسب الإلهية حتى لا يفتقر إلا إليه ، وإن نظام الجسم بالحرارة الغريزية وبقية الأربع طبائع ، وسر هذه الطبائع بالقوة القهرية ، فإذا انتقل إلى الدار الآخرة ارتفع سر القدرة والقهر والجبر عن الطبائع