الشيخ أحمد بن علي البوني

401

شمس المعارف الكبرى

ويفرق أيضا بين الأجساد المختلفة ، ومن هنا صارت المتشابهات وتفريق المختلفات ، ولذلك قال رؤساؤهم : من لم يعرف هذه النار وسرها لم يدر علم الطبخ ولا كيفية الوقد ، ولا يعرف من هذه الصناعة شيئا ، فإذا ضررها عليه أكثر من نفعها . فهذا قد كشف فيه عن كثير من الصناعة . وينبغي لمن أراد أن يطلب حجر القوم أن يجعل النار أحيانا عليه لأنه من طبعها ، كما قلت لجمع المتشابهات وتفريق المختلفات ، فيطلب الطالب من جنس جواهر النار شيئا يسيل به الأجساد ويلقيها ويسكبها ويقهرها ، فإن وجده فليعلم أنه الحجر ، وإن لم يجده انحرف عنه إلى غيره فإن النار تحمل الكائنات ويردها إلى ما منه تركيب ضرورة إما بسرعة وإما بإبطاء . فاعلم ذلك لأن كل مركب لا تستطيع النار أن تفسد جوهره ولا تبطل إذابته منه فهو حي في الحقيقة كالأجساد الذاتية ، فكل مكلس رجع إلى ما منه تركب . واعلم أن كل شيء زالت رطوبته بقي جسده جامدا فرق بين كثيفة ولطيفه ، فهذا نصف تدبيرهم ويسمونه الموت لأنهم شرطوا بالموت ولا يكونوا كالموت لأنه صار في أحد الأتربة الميتة لم ينتفع به ، ولذلك أشاروا إلى الميت الحي المنظر ، وأن يكون الناظر حيا ، وإنما دعاهم إلى ذلك إنهم احتاجوا إلى حد الرطوبة على هذا الكلس إلى حد تراب الميت لم ينتفع به ولم يقبل رطوبته ولا ممازجته ، لأنه قد علم من عانى شيئا من المعاني أن رطوبته الكلس هو غير الزيبق ، والزيبق لا يتعلق إلا بالأتربة ، والإصلاح إنما يتعلق بالأجساد الذي فيها إصلاح ذلك . فصل في ذكر النصف الثاني من العمل وهو الذي يسمونه التركيب ومقدار رد الرطوبة على هذا الكلس حتى يقبلها ويمتزج معها امتزاجا كليا ، وتصير تلك الرطوبة وهذا الكلس شيئا واحدا لأن الكلس شرب تلك الرطوبة بالتدبير ، ثم يتكلس فيظهر كلسا ترابيا إلى شكلها ، فإن رجع ذلك الكلس في النار الحامية لم تفارقه الرطوبة بالتدبير لجودة المزاج ، بل يظهر عليه ويقطر النفس ، ثم تفعل في الأجساد الذاتية ، ولا تضر تلك الرطوبة لإمساك النفس لها في النار لأنها لو كانت وحدها برزت ، فإذا برزت قابلت على تلك الأنفس لئلا تصل النار إلى أجزاء تلك النفس فتنفر منه المتشاكل ، وإنما تكون هذه الحرارة لجودة المزاج ، فإذا برز من هذا الكلس في حمى النار لم تفر منه ، وأرادت أن تمتزج وتعشق بالجسد الذائب ، لأنه ينحل من ظاهر الرطوبة كلس النفس ، فكل متكلس قد رجع إلى ما منه تركب ، واعلم أن كلس النفس يمتزج ويتعشق بالجسد الذائب ، لأنه ينحل من ظاهر الرطوبة كلس النفس ويصيران شيئا واحدا ويقع التأثير للغلبة ، فيتولد اللون اللطيف من الكلس والرطوبة لأنه كالماء الذي يوصل الصبغ بين العفص وغيره إلى الثياب ، وفي هذا تنبيه على التشاكل لأن الصبغ كالحجر المتشاكل للمصبوغ والرطوبة هي الموصلة ، وأنبهك من رد الرطوبة على الكلس بمقدار درايته ، ويؤخذ من الكلس الذي أشاروا إليه ، وكثرت أسماؤه فقالوا : كلسا ورمادا وتفلا وجسدا مقتولا لا روح فيه ، وأرضا عطشانة ووالدة ثكلى وترابا وعكرا وزبلا ، وهو محل لهذه الأشياء فإذا وجد هذا ، فليوضع على صلاية زجاج ، ويسقى من الزيبق المحلول ما يشرب منه مثل