الشيخ أحمد بن علي البوني
218
شمس المعارف الكبرى
ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ . فمنهم قنع بالتفسير اللغوي من اللبوب وبما ظهر عما بطن ، ومنهم من غره أمواجه فظفر بالكبريت الأحمر ، ومنهم من غاص في عمقه فاستخرج الياقوت الأحمر والدر الأزهر والزبرجد الأخضر ، ومنهم من تعلق في آخر سواحله فاستخرج من حيوانها الترياق الأكبر والمسك الأذفر وهو الذي عجز عنه الأولون والآخرون عن معارضته ووقف العاملون في مقام الحصر دون منافعه وهو حبل اللّه المتين ونوره المبين وصراطه المستقيم وسبيله القويم وكلامه القديم ، والبحر الذي لا تنقص عجائبه ولا تفنى غرائبه ولا يدرك صفتها ولا يبلغ الوهم أقصاه ، والمميز عن الطيب والخبيث والحلال والحرام لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ . واعلم أن العلماء أربعة : عالم حظه من اللّه الآخرة ، وعالم حظه من اللّه العلم والمعرفة ، وعالم حظه السير إلى الآخرة ، وعالم يعلّم السير إلى الآخرة . فالأول مع اللّه باللّه ، والثاني يدعو العلم بعلم اللّه ، والثالث يدعو إلى الآخرة ، والرابع يدعو إلى علم الآخرة . وروي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « جالسوا اللكن وخالطوا العلماء واسألوا الحكماء لأن بين الفهم والتأويل والتفسير خلافا شهيرا » قال تعالى سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ الآية . قال ابن عباس وغيره : « إني سأنزع منهم فهم القرآن » والعلماء في عبارات القرآن على ثلاثة أقسام : الأول بالتفسير وهو أدناهم ، والثاني بالتأويل وهو أوسطهم ، والثالث بالفهم وهو أجلّهم ، فالتفسير بالتعلم والدراسة والبحث على أقاويل السلف ، والتأويل بالهداية والتوفيق ، والفهم من اللّه تعالى والرأي بالعقل والقياس ، فأهل الفهم ينطقون باللّه تعالى كما قال : « كنت لسانه الذي ينطق به » . إلى آخر الخبر . وقال الحكيم : « بدأ اللّه تعالى على أفواه الحكماء فلا ينطقون بشيء حتى يظهر لهم » . وقال بعضهم عند قوله تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ ولا محدث وهم أهل الفهم الذين ينطقون في القرآن بالحكمة . وروي عن بعض الصحابة أنه قال : لأنكم تقرأون ظاهرا وأنا أقرأ باطنا . فالغرض المقصود من ذلك لتعلم شرف الباطن أعني الذين فهموا عن اللّه تعالى بأسرار التدبير وأنوار التذكير ولطائف التفكير ما أراد اللّه تعالى في باطن آياته من أطوار إرادته والقرآن العظيم هو الكتاب المكنون والسر المخزون والدر المصون وهو البحر المحيط الذي يسقى منه علوم الأولين والآخرين قال تعالى : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ وما من سر من الاسرار إلا وهو محتو فيه وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « إن للقرآن ظهرا وبطنا إلى السبعة أبطن » وقد قال الإمام علي عليه السّلام : « ظاهره أنيق وباطنه عميق لا تفنى عجائبه ولا تقضى غرائبه وما من آية من القرآن إلا ولها سبع معان ظاهر وباطن وإشارات وإمارات ولطائف وحقائق ، فالظاهر للعوام والباطن للخواص ، والإشارات لخواص الخواص ، والإمارات للأولياء واللطائف للصديقين والمحبين ، والحقائق للنبيين ، ثم تحت كل كلمة بل تحت كل حرف منه حكم لجاج وبحر عجاج وأفق مواج ، فإذا قرأ الشاهد من العارفين والصادق من المحبين أعطي لكل حرف منه ألف فهم ، ولكل فطنة ألف فطنة ، ولكل فطنة ألف عبرة ، والعبرة الواحدة لا يقوم بها من في السماوات والأرض ، فلذلك قال