الشيخ أحمد بن علي البوني

164

شمس المعارف الكبرى

أسمائه الحسنى التي هي رحمة إشارة إلى قوله : فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ والتسبيح هو الصلاة والصلاة هو التسبيح الذي حقيقته التنزيه عن كل وصف محدث ، فيكون الاسم صلة بمعنى المسمى على طريقة من فرق بين الاسم والمسمى ، فتسبيح اللّه تنزيهه يكون بالقول تارة وبالاعتقاد تارة ، فلا يصح ذلك إلا بعد ثبوت المعرفة وكشف أسرار الدليل ، والفناء في التفريد والتحقيق في التجريد ، وذلك لا يصح إلا لأهل الحق الذين عرفوه بنعوت الجلال ، ووصفوه بأنواع الكمال ، فسلموا الربوبية إليه وطرحوا ذواتهم في قيد العبودية لديه ، ولا يصح منك التسبيح للّه حتى تنزه نفسك من كل شهوة مذمومة ، وإيمانك عن أعمال النقص ، وعقلك عن الهوى ، وروحك عن الالتفات إلى المألوفات ، وقلبك عن ظلم الغفلات ، وجسمك عن العادات والمخالفات وأكل الحرام والشبهات ، فحينئذ يبدو لك من كل اسم من صفات الذات وأسماء الصفات وأسماء المعاني ما هو عظيم في نفسه كبير في قدره . ومنه ما حكي عن سيدي إبراهيم الخواص أنه قال : كنت نزعت من باطني حب الفواكه إلا حب الرمان ، فمررت برجل به مرض شديد مهري لحمه ، وقعت عليه الزنابير وأكلت منه ، فسلمت عليه فرد علي السلام ، وعرفني باسمي من غير معرفة سابقة ، فقلت في نفسي لو كان لهذا حال مع اللّه لدعاه أن يخلصه من هذه الزنابير ، فقال لي : الغيبة حرام ، ادعوه أنت أن يخلصك من شهوة الرمان ، فإن لدغ الزنابير على الأجسام أسهل من لدغ الشهوات على القلوب ، فهذا أدب الأقوال . ومنهم من تأدب بضرب المثال كما حكي عن بعضهم أنه قال : رأيت شابا وعليه عباءة وبيده ركوة وقال لي : إني إنسان أقصد الورع ، ولا آكل إلا ما تلقيه الناس فربما أجد شيئا من قشر أو لباب يسبقني عليه النمل فألقيه أم آكل فهل في ذلك عليّ شيء ؟ فقلت في نفسي وأنا منكر عليه : ما على وجه الأرض أورع من هذا ، ثم نظرت إليه فإذا هو واقف على أرض من فضة بيضاء وقال لي : يا هذا الغيبة حرام وغاب عن بصري . فهؤلاء الذين حرس اللّه أسرارهم ، وطهر أذكارهم ونور أبصارهم . فصل : التسبيح تفعيل من السبح والسبح هو المجيء والذهاب قال تعالى : إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا أي مجيئا وذهابا . وقال بعضهم : السبح يسبح بسر باطن حقيقته طهارة أوصاف فكرته في ميدان عجائب ملكوت لطائف حقائق الجبروت ، والسالك يسبح بذكره في بحار القلب ، والمريد يسبح بقلبه في بحار الفكر ، والمحب يسبح بروحه في بحار الشوق ، والعارف يسبح بسره في بحار الغيب ، والصديق يسبح بسره في بحار الأنوار القدسيات المنيعة من معاني أسماء الصفات مع ثبوت أقدام التمكين في اختلاف الحالات . فافهم تحقيق غاية شهود كل سالك من حضرات الأسماء إنما هو الاسم الذي رتبه ، ولا يكون شهوده له تاما ما لم يعطه ذلك الشهود والعجز والحضرة في ذلك الشهود بحيث يكون عبارة عنها ضمنا ، وإدراكه لها عجزا ، ومن ثم كان أوسع الخلق شهودا عليه السّلام بقوله سبحانه : لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك . وكان يقول : اللهم زدني فيك تحيّرا ، وكان يقول : ليس في أسماء اللّه الحسنى اسم ذات إلا اسمه تعالى اللّه ، إذ اسم الذات عبارة عما وضع للحقيقة من غير اعتبار ما من الاعتبارات البتة ليدل عليها اللفظ .