ابن القاصح العذري البغدادي
9
سراج القارئ المبتدي وتذكار المقرئ المنتهي
هو ضمير القارئ المرتضى قصده ، والحر الخالص من الرق أي لم تسترقه الدنيا ولم يستعبده الهوى ، وكيف يقع في ذلك من فهم قوله تعالى : وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ [ آل عمران : 185 ] ، [ الحديد : 20 ] ، وقوله عليه الصلاة والسلام : « لو كانت الدنيا تزن عند اللّه جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء » . والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة والحريّ بمعنى الحقيق ، والحواري الناصر الخالص في ولايته ، والياء مشددة خففها ضرورة ، والتحري بذل المجهود في طلب المقصود واشتقاقه من الحري أي اللائق والتحري القصد مع فكر ، وتدبر واجتهاد أي بطلب ما هو الأحرى أي الأليق . إلى أن تنبلا أي إلى أن مات ، يقال : تنبل البعير إذا مات ، والهاء في « له » للقرآن ، وفي « تحريه » للقارئ . وإنّ كتاب اللّه أوثق شافع * وأغنى غناء واهبا متفضّلا هذا حث على التمسك بالقرآن والعمل بما فيه ليكون القرآن شافعا له كافيه ، وهو أوثق شافع أي أقوى ، وصفه بذلك لأن شفاعته مانعة له من وقوعه في العذاب ، وشفاعة غيره مخرجة له منه بعد وقوعه فيه ، قال عليه الصلاة والسلام : « من شفع له القرآن يوم القيامة نجا » ، قوله : وأغنى غناء أي : وأكفى كفاية ، أي كفاية القرآن أتم من كفاية غيره ، قال عليه الصلاة والسلام : « القرآن غنى لا فقر معه ولا غنى دونه ، وليس منا من لم يتغن بالقرآن » ، أي : يستغن ، لأنه عليه الصلاة والسلام قاله حين دخل على سعيد وعنده متاع رث . قوله : واهبا متفضّلا ، أي : زائدا في دوام هبته وبذلها على الاستمرار من غير انقطاع . وخير جليس لا يملّ حديثه * وترداده يزداد فيه تجمّلا القرآن خير جليس ، وهو أحسن الحديث لقوله تعالى : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ [ الزمر 23 ] . وقوله عليه الصلاة والسلام : « ما تجالس قوم في بيت من بيوت اللّه تعالى يتلون كتاب اللّه ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم الملائكة ، وغشيتهم الرحمة ، وذكرهم اللّه فيمن عنده » . قوله : لا يمل حديثه ، أي لا تمل تلاوته وسماعه ، أشار إلى قولهم : « كل مكرر مملول إلا القرآن » ، والهاء في ترداده تعود على القرآن ، لأنه كلما ردد ازداد حسنا وجمالا ، ويجوز أن يعود على القارئ لأنه يزداد بترداده من الثواب الجزيل ، وفوائد العلم الجليل ، ما يتجمل به في الدنيا والآخرة . وحيث الفتى يرتاع في ظلماته * من القبر يلقاه سنا متهلّلا وصف القارئ بالفتوة وهو خلق جميل يجمع أنواعا من مكارم الأخلاق ، ويرتاع أي : يفزع وأضاف الظلمات إلى الفتى لأنها ظلمات أعماله الناشئة من القبر يلقاه القرآن سنى متهللا ، والسنى بالقصر الضوء ، وبالمد الشرف والرفعة . والمتهلل الباشّ المسرور قال عليه الصلاة والسلام : « إن هذه القبور مملوءة على أهلها ظلمة ، وإن اللّه لينورها لهم بصلاتي