غانم قدوري الحمد

81

رسم المصحف

الراشدين ذلك » . ونجد بعد هذا كله أن قول بروكلمان « ولعل نجوما متفرقة من الوحي كانت قد كتبت في حياة الرسول صلى اللّه عليه وسلّم ، ولكن أكثر الوحي كان يروى - بلا ريب - شفاها من الذاكرة فحسب » « 1 » بعيد عن الحق ، ولا يخلو من الهوى والغرض ، فالأخبار تشير إلى عكس ما يقول تماما ، بل أكثر من ذلك ، إذ تؤكد أن القرآن كله قد كتب لكنه مفرّق غير مجموع ، حيث تم جمعه في مكان واحد بين دفتي المصحف في عهد الصدّيق ، بعد وفاة النبي صلى اللّه عليه وسلّم بفترة وجيزة ، وبيد من كتبه للنبي وسمعه وحفظه منه ، وهو ما سيكون حديث الفقرة الآتية . ثانيا : جمع القرآن في الصحف في خلافة الصّديق : ولي الصديق الخلافة بعد انتقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم إلى الرفيق الأعلى في شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة « 2 » ، وكان أول ما واجهه - في خلافته - ارتداد قبائل من العرب ، لأسباب مختلفة منها منعهم بعض حقوق الإسلام ، فكان موقفه حازما من هذه الفتنة التي أخذت تعصف بأطراف الدولة الإسلامية ، وقال كلمته المشهورة « 3 » : « واللّه لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول اللّه لقاتلتهم عليه ، ولو لم أجد أحدا أقاتلهم به لقاتلتهم وحدي ، حتى يحكم اللّه بيني وبينهم ، وهو خير الحاكمين » . وانضم بعض المرتدين إلى مدعي النبوات الكاذبة ، فجهز الصديق لقتال هؤلاء - جميعا - الجيوش التي كان في طليعتها صحابة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ولم تمض إلا فترة يسيرة حتى عادت الجزيرة العربية كلها إلى الإسلام « 4 » لكن عددا كبيرا ممن شارك في إخماد تلك الفتنة قد

--> ( 1 ) بروكلمان ( كارل ) : تاريخ الأدب العربي ( مترجم ) ، القاهرة ، دار المعارف ، 1959 ، ج 1 ، ص 139 . ( 2 ) الطبري : التاريخ ، ج 3 ، ص 199 . ( 3 ) خليفة بن خياط : تاريخ خليفة ، دمشق ، 1967 ، ج 1 ، ص 79 . ( 4 ) انظر عن أخبار حروب الردة : الطبري : التاريخ ، ج 3 ( أخبار السنة الحادية عشرة ) . والكلاعي ( أبو سليمان الربيع بن سليمان - أحد علماء القرن السادس والسابع للهجرة ) : كتاب تاريخ الردة . اقتبسه من الاكتفاء بما تضمنه من مغازي المصطفى ومغازي الخلفاء ( له ) خورشيد أحمد فارق . دهلي ( الهند ) ، معهد الدراسات الإسلامية ، 1970 . وابن الأثير : الكامل في التاريخ ،