عبد الفتاح اسماعيل شلبي

55

رسم المصحف العثمانى

أرأيت كيف خالف عمرو النحو البصري في قراءته ؟ ألا يفسر ذلك بأنه اتبع الأثر في الإدغام ، وما تلقاه في روايته ؟ ! . ونرى الكسائي - كذلك - يتخذ موقفين متغايرين كل التغاير : فهو - نحويا « 1 » - يرى أن « كلتا » ألفها ألف تثنية « 2 » ، ويخالف بذلك البصريين الذين هم يقولون : إن « كلتا » ألفها تأنيث . وهو يميل « كلتا » قارئا « 3 » . وفي ذلك دليل على أنه خالف مذهبه النحوي « 4 » في قراءاته ؛ لتلقيه عن شيوخه بالسند المتصل « 5 » . وسابعا : أن القراءة لا تجرى على الأفشى في اللغة ، والأقيس في العربية « 6 » ، ومن هنا قال ابن فيرة : « وما لقياس في القراءة مدخل » . ولذلك نرى في باب الإمالة - مثلا - قاعدة تنطبق على حروف بأعيانها في القرآن الكريم ، فيميل قارئ من القراء بعض هذه الحروف دون البعض الآخر « 7 » ، وقد يجتمع في بعض الحروف من أسباب الإمالة ما لا يجتمع في حروف أخرى من جنسها ، فيميل بعض القراء ما كان سبب الإمالة فيه ضعيفا ، ويترك ما كان السبب فيه قويا « 8 » . وثامنا : على أنه ربما رجّح إمام من الأئمة السبعة جانب الرواية على مرسوم المصحف ، فيأخذ بالأولى ؛ لأنها ثابتة عنده بالنقل والأخذ عن شيوخه الذين اتصل سندهم بقراءة الرسول ؛ ذلك ما روى ورش عن نافع « 9 » : « إنما أنا رسول ربك ليهب لك « 10 » مع أنها مرسومة في المصحف « لأهب لك » ؛ حدّث أبو عمرو الداني عن شيوخه قال : حدثنا أبو عبيدة : « أن المصاحف كلها

--> ( 1 ) منصوب على الحال . ( 2 ) الإنصاف ، مسألة : 62 . ( 3 ) إبراز المعاني : 165 . ( 4 ) وإرشاد المريد : 167 ، انظر الإنصاف في مسألة : 62 . ( 5 ) راجع تفصيل ذلك وتحقيقه في بحثي : القراءات واللهجات العربية - الإمالة من ص 193 - 205 . ( 6 ) منجد المقرئين : 65 . ( 7 ) حرز الأماني : 78 ، ط 1351 ه . ( 8 ) انظر الإبانة لمكى بن أبي طالب ، ورقة : 14 والموضح للدانى : ص 65 ، ص 4 . ( 9 ) انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي : 11 / 91 . ( 10 ) سورة مريم : آية : 19 .