محمد حسين الحسيني الجلالي
64
دراسه حول القرآن الكريم
اليمامة لم تكن أكثر من خمسة عشر شهرا وهذا الوقت لا يكون كافيا ولا وافيا لمثل هذا المشروع على الكيفية المشروحة في الرواية . فالاعتماد على « رجل شاب عاقل غير متهم كان يكتب الوحي » فقط ، يدل على أن المسألة كانت شخصية لغرض الحصول على نسخة جديدة كاملة من القرآن . ولو كان الغرض جمع القرآن من أصوله لاحتاج إلى لجنة مؤلفة من كبار الصحابة لمثل هذا الأمر العظيم ، أمثال الإمام علي عليه السّلام وأبيّ بن كعب وعبد اللّه بن مسعود وأمثالهم ، لا من صحابي واحد فقط ، ولعل لهذا السبب قال الحارث المحاسبي « إنما أمر الصديق بنسخها من مكان إلى مكان مجتمعة وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت مبعثرة في بيت رسول اللّه فيها القرآن منتشرا فجمعها جامع وربطها في خيط حتى لا يضيع منها شيء [ البرهان 1 ، 53 ] . فجمع الخليفة الأول رضي اللّه عنه لم يكن سوى استنساخ نسخة من القرآن الكريم . وهذه الرواية تستلزم أسئلة يصعب الإجابة عليها بوضوح . فإن كانت الحالة كما في الرواية لوجب على أبي بكر رضي اللّه عنه أن لا يتوقف لحظة في هذا الأمر الهام ولا ينفع الاعتذار بأنه لم يفعل شيئا لم يفعله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أليس هو قبل ترشيحه للخلافة مع أن رأي الجمهور بأن الرسول لم يستخلف أحدا ؟ وأليس هو قد صادر فدك مع أن الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لم يصادره ؟ فلم يكن بحاجة إلى المراجعة والمتابعة من عمر رضي اللّه عنه ( ثم ) كيف يمتنع زيد بعد أن اقتنع كل من الخليفتين ؟ وكيف يعتمد الخليفة في مثل هذا الأمر العظيم الذي يؤثر في مسيرة الإسلام والمسلمين على فرد واحد من الصحابة هو زيد لا غير ؟ ولما ذا أهمل غيره من الصحابة الذين هم أكثر عمرا من زيد وأكثر صحبة ، فإن زيد أسلم في المدينة وهو ابن 12 سنة والصحابة فيهم من كتب الوحي بمكة قبل ذلك ؟ ولما ذا انتقلت هذه الصحف إلى عمر رضي اللّه عنه والمفروض أنها من ممتلكات أبي بكر فتنتقل إلى ولده بالإرث ؟ ثم بعد عمر لما ذا لم تنتقل هذه الصحف إلى ابنه عبد اللّه وبقيت عند بنته حفصة ؟ هذه أسئلة يصعب الإجابة عليها . جمع الخليفة الثاني ( 13 - 23 ه ) أما الخليفة الثاني إبان حكمه فيدل على أن دوره كان تجديد نسخة القرآن وإشاعته ، ما قاله زيد بن ثابت : « أمرني أبو بكر فكتبت في قطع الأديم والعسب فلما هلك أبو بكر وكان عمر كتبت ذلك في صحيفة واحدة » [ فتح الباري 9 / 97 ] ، فهدف الخليفة لم يكن سوى استنساخ نسخة من القرآن ، ودور زيد كان دور الكاتب والناسخ الذي يقوم بالكتابة حسب رغبة الطالب وقد طلب منه الخليفة الأول الكتابة على الأديم ، أما الخليفة الثاني فقد استطاب