محمد حسين الحسيني الجلالي

14

دراسه حول القرآن الكريم

وهذا التعريف للوحي بمعناه المصدري ، ليس تعريفا لحقيقة الوحي التي لا يعرفها إلا من أوحي عليه . وقال الطباطبائي ( ت 1402 ه ) في تعريف الوحي ما لفظه : « فالنبوة حالة الهية ، وإن شئت قل غيبية ، نسبتها إلى هذه الحال العمومية من الإدراك والفعل ، نسبة اليقظة إلى النوم بها يدرك الإنسان المعارف التي بها يرتفع الاختلاف والتناقض في حياة الإنسان وهذا الإدراك والتلقي هو المسمّى في لسان القرآن بالوحي . . . » [ الميزان 2 ، 131 ] . أقول : « الأولى في تعريف الوحي أن يقال : انه مشاهدة ما وراء الطبيعة وهي تحصل للذي تجردت نفسه من الماديات بالإطلاق ، وهذه الحالة الروحانية لا تحصل إلا للأنبياء ولا يمكن اخضاعها للمقاييس المادية ، وما يحصل لغيرهم ممن تجردت نفوسهم من الماديات بأقصى حد إنساني ممكن يكون الهاما ، ويستفاد هذا من الآيات كما شرحته في المعجم فراجع » . والروايات التي تصف النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في حالة الوحي إنما هي وصف لما شاهده الصحابة ، فهي تعبّر عن انطباعاتهم الخاصة وليست تعبّر عن حقيقة الوحي التي لم يجربها إلّا من أوحي إليه وهي للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم خاصة دون غيره . الوحي في القرآن وردت كلمة الوحي بالمعنى المصدري خمس مرات ، ومشتقات المادة 76 مرة وتتفق الآيات في معنى الخفاء وقد أشار المفسرون إلى المعاني التالية مع أنها ليست بالمعنى المصطلح للوحي سوى أربع منها : 1 - الإلهام : في قوله تعالى : وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً [ النحل : 68 ] فإنه الهام لغريزة طبيعية في النحل وهي خافية من دون إخفاء . 2 - الإشارة : في قوله تعالى : فَخَرَجَ زكريا عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [ مريم : 11 ] . هذه إشارة من زكريا والإشارة فيها إخفاء الصوت من دون تعمد لإخفاء المراد . 3 - وسوسة الشيطان : كما في قوله تعالى : وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ [ الأنعام : 121 ] . فإن وحي الشيطان لا يكون إلا وسوسة في الخفاء . 4 - وحي النبوة : وبهذا المعنى آيات كثيرة في القرآن الكريم ، وقد حدد سبحانه