أحمد ياسوف

58

دراسات فنيه في القرآن الكريم

النفسية التي شعر بها من في الكون بعد أن تخلّصوا من هؤلاء القوم الظالمين » « 1 » . فالجرجاني يقف على العلاقة النحوية المتجلية في تنكير « بعدا » ، لأن هذا التنكير يدل على الكثرة والتهويل والغموض ، وهذا واضح ، أما الدلالة التي أضافها الدكتور بدوي فهي البعد النفسي في اختيارها هي لا الهلاك ، فتصوّر الكلمة كرههم ، وهم موتى كيفما كان هلاكهم فهم في منطقة بعيدة وهذا يريح النفس من خلال الفسحة المكانية في هذا المشهد ، ووجود ( هلاكا ) المفترض لا يخلّ بالنظم الذي رامه الجرجاني . ولا يعني هذا التعليق أن البعد النفسي قد غاب عن ذهن الجرجاني ، ولكن هذه المفردة « بعدا » تعني تملّك المفردة لموقف خاص ، ففيها إيحاء نفسي واضح ، ولكن انتبه الجرجاني إلى كون المفردة المعبرة عنه في حال تنكير . وهذا الذي لمسناه ينطبق على الفرق بين « جفّفي » و « ابلعي » كما جاء عند الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي ، ففي الآية نفسها يقول : « أرأيت أنه لم يقل « جففي ماءك » مثلا ، مع أنه التعبير المتفق مع طبيعة الأرض وشأنها ، وإنما قال : « ابلعي ماءك » ، ليصوّر لك بأن الأرض لما اتجهت إليها إرادة العزيز الخبير انقلبت مسامّها وشقوقها إلى أفواه فاغرة تبتلع بها المياه ابتلاعا ، فهي لم تنفذ الأمر بالطبيعة المألوفة لها ، وإنما بالانقياد لأمر خالقها جل جلاله » « 2 » . ولا يجوز أن نعد كلام الدكتور ضربا من التأويل الخاص الذي يتخذ سمة دينية فهو ينطلق من الأصل اللغوي ركيزته الفكرية ، لأن الحدث كما

--> ( 1 ) من بلاغة القرآن ، د . أحمد بدوي ، ص 52 . ( 2 ) من روائع القرآن ، ص 269 .