أحمد ياسوف

59

دراسات فنيه في القرآن الكريم

يصوره المؤرخون الآن ، ومنقبو الآثار عظيم جدا « 1 » ، وقد كان خرقا للنواميس مصدره خالق هذه النواميس . ولهذه المفردة طابع جمالي لم يقدره الجرجاني ، ففيها انزياح فني ، لأنها تقوم على استعارة مشخصة ، إذ تغدو الأرض كائنا حيا يتلقّى الأمر الإلهي ، وهذا يعبر عن شدة الطواعية والامتثال للتسخير ، فضلا عن اتسامها بالحركة السريعة العنيفة التي لا تكون في التجفيف ، وهذا العنف يوائم الموقف الكفري الذي يجلّي عنف الكفرة وسطوتهم . وبهذا التأويل الجمالي تتحقق الغاية الدينية في صدق الصورة ، وهذه سمة القرآن حيث اقتران الجمال بالحق والخير ، إذ ترسم المفردة مشهد الطوفان الهائل وما تبعه من ابتلاع وليس التجفيف الذي يدل على قلة المياه ، ونستطيع أن نقول : هذا مما فات الجرجاني أو لم يعن به ولم يبرزه ، لأن فعلي : جفّفي وابلعي من جهة الإسناد متساويان فالمخاطب واحد ، ولا إخلال بالنظرية المبنية على علم النحو . ولربما يظن بعض المعاصرين ممن يقتبس من كتاب ابن الأثير حول المفردة ، أن هذا الأديب قد سفّه نظرية الجرجاني ، فابن الأثير رأى أن الخطوة الأولى في البلاغة والإبداع انتقاء المفردات ، فتحدث عن محاسنها ومعايبها ، ثم أسهب في مكان أوسع متحدثا عن جمال التركيب مقتفيا أثر سلفه ابن سنان في « سر الفصاحة » . يقول ضياء الدين بن الأثير : « إن تفاوت التفاضل يقع في تركيب الألفاظ ، أكثر مما يقع في مفرداتها ، لأن التركيب أعسر وأشقّ » وبعد أن يستشهد لهذا التنظير الأدبي بالآية السابقة من سورة هود التي تأمل فيها

--> ( 1 ) انظر مثلا : دراسة الكتب المقدسة ، موريس بوكاي ، ص 245 .