أحمد ياسوف
492
دراسات فنيه في القرآن الكريم
والعزة من مستلزمات النصر في الحرب ، قال تعالى : وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً [ النساء : 102 ] ، فوصف العذاب بالإهانة لما سبق من مظاهر عزة كتقسيم الجيش في الصلاة ولزوم الحرس للأسلحة والهجوم العنيف بالميلة الواحدة . وننظر في قوله عز وجل : يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ [ المائدة : 37 ] ، فقد ذكر الرغبة في الخروج ، ثم أكد استحالة الخروج بحرف جر زائد في « بخارجين » ، فلزم أن يكون العذاب مضادا للخروج فهو مقيم ، وفي هذه الكلمة تشخيص ، لانتزاع صفة الإقامة من الإنسان ، فكأن العذاب امتلك همّة خالصة قصد بها الإحاطة بهؤلاء المجرمين . وقال تبارك وتعالى : وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً [ الإسراء : 45 ] ، وليس لنا أن نكتفي بتلميح الكتب البلاغية القديمة ، فنقول : عدل البيان القرآني من الفاعلية إلى المفعولية على سبيل المجاز العقلي ، ولكن نقول : إن هذا الحجاب شديد الحجب حتى كان هو نفسه محجوبا ، وهذا أبلغ تعبير عن امتناعهم عن الإيمان . وفي سورة الإسراء آيتان تشتملان على الزجر عن البخل والإسراف ، ثم عن الإشراك ، قال تعالى : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً [ الإسراء : 29 ] ، ثم قال عز من قائل : وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً [ الإسراء : 39 ] ، فذهاب المال مع الإسراف ناسب أن تقترن الملامة بالانحسار وهو انقطاع المال ، أما الإشراك فقد ناسب عنده أن تقترن الملامة بالطرد من رحمة اللّه . * * *