أحمد ياسوف
464
دراسات فنيه في القرآن الكريم
كثير من الدارسين مثل أبي بكر الباقلاني ، وهو يقول بنفي السجع جاهدا في ربط المفردة الأخيرة من الآية بسياق المعنى الكلي . يقول الباقلاني : « ولو كان القرآن سجعا لكان غير خارج عن أساليب كلامهم ، ولو كان داخلا فيها لم يقع بذلك إعجاز ، ولو جاز أن يقال : هو سجع معجز ، لجاز لهم أن يقولوا : شعر معجز ، كيف والسجع مما كان يألفه الكهان من العرب ، ونفيه من القرآن أجدر بأن يكون حجة من نفي الشعر ، لأن الكهانة تنافي النبوّات ، وليس كذلك الشعر » « 1 » . وهو بعد هذا الرد المنطقي الحاوي على لغة كلامية يذكر شواهد من القرآن الكريم مثل تقديم موسى على هارون في موضع ، وهارون على موسى في موضع آخر . ولكن نقف عند نقطتين في عبارة الباقلاني ، الأولى : أن كلامه يوحي بأن جميع القرآن الكريم متّهم بالسجع ، وليس الأمر كذلك ، وإذا كان السجع يعني مماثلة في الرويّ ، فقد وقع في القليل من القرآن الكريم . لقد استقلت الفواصل المتماثلة بإحدى عشرة من السور القصار ، وهي : القمر والقدر والعصر والكوثر والأعلى والليل والشمس والمنافقون والفيل والإخلاص والناس ، ويبدو أن الأمر أعلق بالمرحلة المكية ، وكانت له دواعيه الفنية المرتبطة بقضايا فكرية ، ومنها استجلاب القلوب الآئلة إلى الإيمان ، وردع قسوة الكفرة . أما مقارنة البيان القرآني بالشعر فهي بعيدة عن التحقيق ، لأن قيود القافية والوزن أبعد ما يكون عن نظم القرآن الكريم ، والملحوظ أن تهمة الشعر عارضة ليست مستقرة ، إذ فهم بعدها العربي الفصيح أنه ليس أمام شعر ، وذلك منذ عصر البعثة الشريفة ، ثم إن الدوافع الشعرية والمضامين
--> ( 1 ) إعجاز القرآن ، الباقلاني ، ص / 86 .