أحمد ياسوف
449
دراسات فنيه في القرآن الكريم
عليها هي إلى أن يكون عليه هو استدراكا لغضبه من أجل كرامته ، ولو قالت : من أراد بي ، لتركت له الفرصة للتأمل في صدق قولها أو كذبه ، أو لكان له أن يقول لها : ولما ذا تركت له الفرصة حتى أراد بك السوء ؟ » « 1 » . ونرى أن الأهم في هذه الآية أن نقف على كلمتي « أهلك » و « سوء » والأولى تدل على كرامة العائلة ، وخدشها يعني انتزاع الأمان من النفس لأنها مقابل الوحشية ، كما أن كلمة « سوء » مختصر الفعل الشنيع وهو إرادة الزنى ، وهي توجز التدبير عن فعل قبيح . إن كلمة « أهلك » تذكرنا بالآية الكريمة عن الزواج من الإماء : بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [ النساء : 25 ] ، فقد عدل القرآن الكريم عن لفظ أسيادهن ، لإكسابهن الكرامة ، فالأمة تحس وفق المعايير الإسلامية الصحيحة بأنها بين أهلها ولا تكون كائنا ذليلا . لقد تجلت السمة الأخلاقية في سورة يوسف في غايتها الكلية المستمدة من سيرة هذا النبي عليه السلام ، ومن انتقاء المفردات المعبرة عن محنته ، فعلى لسان زوجة الملك نقرأ قوله تعالى : قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ [ يوسف : 32 ] غاية ما تتفوّه به امرأة غاوية بين رفيقاتها . ويتضح طابع التهذيب والسمو في الاكتفاء بظلال كلمة « يفعل » وكلمة « ما آمره » ، بهاتين الكلمتين تم التعبير عن شهوة عارمة ، وهذا يتمشى وطابع الدين الإسلامي الذي يدعو إلى تهذيب الغرائز وتوجيهها ، والحدّ من فاعليتها ، وليس قتلها ، وكذلك يكمن هدف القصة القرآنية في
--> ( 1 ) البيان في روائع القرآن ، د . تمام حسان ، ص / 320 .