أحمد ياسوف
448
دراسات فنيه في القرآن الكريم
وإلى هذا أشار أبو السعود العمادي في تفسيره قائلا : « ولعلّها تصدّت هنالك لأفعال أخر ، من بسط يدها إليه ، وقصد المعانقة ، وغير ذلك مما يضطره عليه السلام إلى الهرب نحو الباب ، ولقد أشير إلى تباينهما حيث لم يلزّا في قرن واحد من التعبير بأن قيل : ولقد همّا بالمخالطة ، وكأنه عليه السلام قد شاهد الزنى بموجب ذلك البرهان النيّر على ما هو عليه في حدّ ذاته أقبح ما يكون » « 1 » . فقد اكتفى البيان القرآني بذكر الهمة والقصد ، فما قرأنا انكشاف صدور ، أو نزع ثياب ، أو أصوات وتأوهات كما هي الحال في كثير من الأدب الروائي المكشوف ، مما يثير في المتلقي الغرائز الحيوانية ، ويستفز النوازع المريضة . وفي هذا الصدد يقول الرافعي : « وهنا يعود الأدب الإلهي السامي إلى تعبيره المعجز ، فيقول : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ [ يوسف : 24 ] كأنما يومئ بهذه العبارة إلى أنها ترامت عليه ، وتعلقت به ، والتجأت إلى وسيلتها الأخيرة ، وهي لمس الطبيعة بالطبيعة لإلقاء الجمرة في الهشيم » « 2 » . وثمة لفظة تهذيبية وجد فيها الدكتور تمام حسان مناسبة لواقع الحادثة ، كما في الآية الكريمة : قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ [ يوسف : 25 ] ، ففي ذكر الأهل لطافة وحشمة ولكنها مستنفرة لغضب الملك . يقول الدكتور تمام حسان : « عدلت عن قولها : من أراد بي سوءا إلى أن تجعل إرادة السوء موجهة إلى أهله ، لتصرف العدوان من أن يكون
--> ( 1 ) إرشاد العقل السليم : 4 / 266 ، ولم يلزّا : لم يلتصقا ، والقرن في الأصل : حبل يجمع به البعيران . ( 2 ) وحي القلم ، الرافعي : 1 / 106 .