أحمد ياسوف
430
دراسات فنيه في القرآن الكريم
الصلاة والسلام لزوجته ، والخاطب الذي لم يدخل بزوجته ، فناسب هذه الشفافية أن تأتي أخف الكلمتين وهي « سراح » « 1 » . وتدل السفاهة على الثبات والرسوخ في حين يدل السّفه على التغير ، فثمة فرق في الاشتقاق ، فالفعل سفه مصدره سفاهة ، أما الفعل سفه فمصدره سفه « 2 » ، ومعنى الثبات ، والتغير وارد في سياق الآيات : قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ [ الأنعام : 140 ] ، وفي قصة هود عليه السلام : إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ ( 66 ) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ [ الأعراف : 66 - 67 ] فقتل الأولاد حال عارضة في حين أراد قوم هود وصفه بصفة ذميمة ثابتة فيه . وقد تبين مما سبق إيغال الدارس القديم في صيغ مفردات القرآن الكريم معتمدا على الموروث اللغوي ليكون له معيارا ، وعلى التذوق الذاتي لكشف علاقة الصيغة بسياق الآية وحملها أعمق المعاني . فتأكد مما سبق جهود القدامى من مفسرين وبلاغيين ولغويين في تبيان جمال الصيغة ، فلا يحق لباحث معاصر أن يسفّه آراءهم وتطلعاتهم الفنية ، إذ لم يكونوا مقصّرين في تأملاتهم . الحق أن جمال الصيغة لا يمكن أن يخفى على الدارس القديم ، إذ يتمتع بمقدرة لغوية فائقة ويعيش في بيئة فصيحة ، فقد لمسوا في الصيغة مواءمة تمام الفكرة ، وأسلوب الإيجاز ، وتصوير الحركة المرئية ، ومساعدة الصيغة على إكمال الصورة البصرية ، ومساعدتها على كشف إيحاءات نفسية وفضاءات رائعة .
--> ( 1 ) انظر : سر الإعجاز ، ص / 276 - 277 . ( 2 ) راجع كتاب الأفعال ، ابن القوطية ، ص / 233 ، واتفاق المباني واختلاف المعاني ، سليمان بن بنين ، ص / 99 .