أحمد ياسوف
326
دراسات فنيه في القرآن الكريم
والسلام : يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا [ مريم : 45 ] ، وعلى الرغم من أن سورة مريم مكية ، فإن الآية تفوح من كلماتها رائحة النبوّة الإنسانية ، فهو يستميل قلب والده ، وإضافة إلى وجود تسعة مدود في الآية ، فإنّ طبيعة الأصوات الرّخوة تناسب مقام الملاينة ، فلم يذكر عزّ وجلّ « يصيبك » بل « يمسّك » للطف فعلها من حيث المس فقط ، ولهمس السين فيها ، وفي المفردات الخاء والحاء في « أخاف » و « الرحمن » ، والأحرف الليّنة كالواو والياء . فإذا جاء ردّ الأب المتغطرس نقرأ كلمات ذات صوت شديد ، يقول عزّ وجلّ على لسان آزر : لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا [ مريم : 46 ] ، وجرس « لأرجمنّك » يوحي بوقع الحجارة على الجسم لوجود النون الساكنة ، وهي ترد فيها ثلاث مرات ، ومرة مدغمة باللام ، فتصير شديدة ، والجيم كذلك ، ووردت الراء مرتين ساكنة ، مما يعطي نبرأ قويا مضافا إلى طبيعة هذا الحرف الذي يتكرر في أثناء نطقه . فيجب أن يتلاءم التشكيل الموسيقى مع طبيعة الموقف الذي يذكره القرآن الكريم ، وقد قال جويو : « وإذا كان الإيقاع إشارة طبيعية إلى عمق الانفعال ، فإنّ هذا الإيقاع يميل إلى أن ينقل الانفعال إلى قلب السامع » « 1 » . ونلحظ أن خصوصية تعبيره عن الفن الأدبي تطلّبت كلمة « انفعال » المناسبة للمبدع ، والخاصة بالطبع البشري ، ونحن ننزّه الخالق عن الانفعال ، ونؤكّد أن تعبير القرآن الكريم عن المواقف جاء بإيقاع مناسب للمتلقي ، وسوف يتّضح هذا في شواهد عدّة نذكرها في مكانها إن شاء اللّه .
--> ( 1 ) مسائل فلسفة الفن ، ص / 139 وانظر : فيه ، ص / 183 .