أحمد ياسوف
325
دراسات فنيه في القرآن الكريم
قال : « الألفاظ تنقسم في الاستعمال إلى جزلة ورقيقة ، ولكلّ منها موضع يحسن استعماله فيه ، فالجزل منها يستعمل في وصف مواقف الحروب ، وفي قوارع التهديد والتخويف ، وأشباه ذلك ، وأما الرقيق منها ، فإنه يستعمل في وصف الأشواق ، وذكر أيام البعاد ، وفي استجلاب المودّات ، وملاينات الاستعطاف » « 1 » . فهو يؤكّد أن الألفاظ جزلة ورقيقة ، وأساس هذا هو الموضوع نفسه ، لأنه يتطلّب تشكيلا صوتيا معيّنا ، فقد أدرك العلاقة بين التشكيل الصوتي وبين المشاعر الإنسانية في الفن القولي ، بيد أنه لا يطبّق هذا إلا في مجال رقة الألفاظ ، وما يحمد له أنّه ربط الصوت بالموضوع . ولو أن ابن الأثير أجال النظر في آيات السور المكية القصار مثلا لوجد أن نبرة التهديد والغضب والعنفوان واضحة المعالم في المفردات ، وفي قصر الجمل أو الآيات القرآنية ، وكثيرا ما لا يراعي الشعراء تنظيم الإيقاع وجزئياته ، ليوافق المشاعر كما نجد الشّدّة في غزل أبي الطيب أحيانا . ويمكننا أن نورد بعض الآيات مما يراعى فيها الموقف تفسيرا لمقولة ابن الأثير التي ذكرها في كتاب خصّص في الأصل لأدب الكاتب والشاعر ، وإن عدّ البيان القرآني الأسوة الحسنة لصنّاع الأدب ، ففي قوله عزّ وجلّ : تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [ المسد : 1 ] تمثّل المفردات صرخة عنيفة بأصواتها ، وكان باستطاعة ابن الأثير أن يتلمّس مظاهر الجزالة في تعدّد الباءات ، والباء حرف شفوي انفجاري ، ويزيده عنفا كونه مشدّدا أو ساكنا بالتنوين والسكون ، أو مشددا ساكنا مقلقلا قلقلة كبرى . كذلك يمكنه أن يتلمّس مظاهر الرقة في إيقاع أغلب السور المدينة ، وكثير من السور المكية ، ففي قوله تعالى على لسان إبراهيم عليه الصلاة
--> ( 1 ) المثل السائر : 1 / 168 .