أحمد ياسوف
316
دراسات فنيه في القرآن الكريم
يجعلها مقاطع ، إلا أنه يوافق ابن الأثير في مسألة جذر الكلمة الطويلة ، وتعدّ نظرة الرافعي أكثر وضوحا لارتباطها الكلي بطبيعة تشكيل المفردة . وقد وجدنا أنّ التعلّق بهذه السّمة يدلّ على ترف ذهني ، وأنّ القدامى لم يعيروا هذه السّمة اهتماما كبيرا ، إلّا ما كان من القلّة منهم ، ونحن لا نريد أن نعدّ حروف كلمات القرآن ، بل نريد وقعها على الآذان ، وملاءمتها للمقام ، ومخزونها الوجداني ، ولهذا ربطنا طول الكلمة القرآنية بطبيعة الحروف ، وبتوزيع الحركات ، وبيّنا علاقة هذا بمضمون الآية كلّها ، وكذلك بيّنا قيمة الصيغة الجمالية ، وتفرّد هذه الصيغة بمعان سامية ، ودلائل فنيّة رفيعة من اختزان المعاني الكثيرة ، ومواءمة الموقف . ويمكن أن نذكر الآن بعض المفردات الطويلة ، لنستشف الأبعاد الفنية لطولها ، والأبعاد الإيحائية ، منها قوله عز وجل : فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [ يوسف : 15 ] . فالكلمة « لتنبّئنّهم » تتألف من عشرة حروف « ل ، ت ، ن ، ب ، ب ، أ ، ن ، ن ، ه ، م » مع فكّ الإدغام ، إذا نظرنا نظرة صوتية لا شكلية كما كان الأمر عند ابن سنان ، ويرد في الكلمة ثلاث مرات حرف النون المعبّر عن جبروتهم ، وكثرة الأحرف مع الشدتين توحي بمتابعة الخبر من أوله إلى آخره من غير إهمال لجزئياته ، بالإضافة إلى الإخبار بلهجة شديدة عن المخطئين . وفي الكلام على إبليس لعنه اللّه ، قال عز وجل : أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا [ الكهف : 50 ] ، فالكلمة « أفتتّخذونه » شاملة على حرف استفهام ، وحرف عطف ، وفعل ، وفاعل ، ومفعول به .