أحمد ياسوف
317
دراسات فنيه في القرآن الكريم
ففيها تجميع لمستويات فعلية مما يجسم الجمع الغريب الشائك بين إبليس الرافض لطاعة الخالق والإنسان الذي يقبل الطاعة له ، كما يلحظ في المفردة توالي ثلاث فتحات في البداية إذ يعبر علو الإيقاع هنا عن نبرة الغضب من هذا الفعل الشنيع الغريب ، خصوصا عند التاء المشدّدة ، ثلاث تاءات متوالية شديدة الوقع على الآذان ، فهي إذن عشرة حروف ، لكن لاجتماعها أبعاد متنوعة وإيماءات عميقة الأثر . وقال عز وجل : وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ [ الكهف : 16 ] فالمفردة تتألف من عشرة أحرف « ا ، ع ، ت ، ز ، ل ، ت ، م ، و ، ه ، م » وفيها أربعة مقاطع « اع » ، « تزل » « تمو » ، « هم » ، فكأن طول الكلمة بكثرة الحروف يوحي بطول المسافة بين هؤلاء الأبرار وأهل بلدهم العصاة ، ولعل أوّل المقاطع يُوحي باتخاذ قرار الابتعاد ، ثم الزحف شيئا فشيئا إلى الوراء للنجاة والحرص على الدين من خلال المقاطع الثلاثة . وقال تعالى : * وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ [ التوبة : 75 ] أطول الكلمات « لنصدقن » ، وهي أهم الكلمات ، لأنها التعبير الصحيح عن العهد الصادق والعمل الصالح ، لكون الصدقة مرتبطة بالعطاء وتجاوز الذات ، وهي مكونة من تسعة حروف « ل ، ن ، ص ، ص ، د ، د ، ق ، ن ، ن » وكثرة حروفها توحي بوعدهم بالعطاء الكثير من حيث المساحة ، أما الشدّات فهي الحرص الشديد على العطاء ومحاربة الذات من حيث العمق البشري . أي همة عالية متجلية في صدقات وفيرة . وقال عز وجل : وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [ المائدة : 12 ] ، ويمكن أن نرصد في المفردة « لأدخلنّكم » مستويين ،