أحمد ياسوف

266

دراسات فنيه في القرآن الكريم

وكان قد وضع كرسفا أي قطنا في أذنيه لئلا يسمع صوت النبي عليه الصلاة والسلام وهو يتلو القرآن ، ثم سمع بعد هذا ، ولعل قوله الأول يتصل بالشكل الفني عموما ومنه الجمال الموسيقى ، أما العدل فيراد به جمال الفكر في المضمون . والشعر أعقد فنيا من فن النثر ، ونضيف إلى كلام البيومي أن الوليد اكتشف بفطرته العنصر الموسيقى في الجزئيات ، وهو قلّ أن يراعى في النثر إلا ما يكون في شكله الظاهر من توازن وتسجيع ، وأن تنوع رويّ الفواصل يتبع تنوع المعاني ، وهذا غير وارد في النثر ، والقرآن لم يتحدّ قريشا وحدها ، بل تحدّى كل العرب ، وقد اشتهروا بالشعر ، بل كان في أسرة النبي عليه الصلاة والسلام عدّة شعراء « 1 » . وقد وردت مقارنة القرآن بالشعر على لسان مشركين آخرين ، ومنهم من آمن ، بعد أن انتهى إلى سمو النظم القرآني ، ومخالفته للشعر ، فقد روى أبو ذر الغفاري ( - 33 ه ) عن أنيس ( - 4 ه ) أخيه رضي اللّه عنهما - وقد كان شاعرا - : « لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم ، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر - قوافيه ، فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر ، واللّه إنه لصادق ، وإنهم لكاذبون » « 2 » . وقرين هذا الوعي ما حصل عند مجيء عتبة بن ربيعة الذي كلّفه المشركون بتقديم المغريات للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، لكي يتخلّى عن الدعوة الإسلامية ، وقد كان ردّ الرسول الكريم : « أقد فرغت يا أبا الوليد ؟ » . قال : نعم ، قال : « فاستمع مني » قال : افعل ، فقال : حم ( 1 ) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 2 ) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 3 ) بَشِيراً وَنَذِيراً

--> ( 1 ) انظر : سيرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ابن هشام : 2 / 368 . ( 2 ) مسلم ، الفضائل ، ح ( 2473 ) ، والإصابة ، لابن حجر : 1 / 75 .