أحمد ياسوف
267
دراسات فنيه في القرآن الكريم
فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ( 4 ) وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ [ فصلت : 1 - 5 ] ، ثم مضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيها يقرؤها عليه ؛ فلمّا سمعها منه عتبة أنصت إليها ، وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما يسمع منه ، ثم انتهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى السجدة منها فسجد . قال : « قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت ، فأنت وذاك » فقام عتبة إلى أصحابه ، فقال بعضهم لبعض : نحلف باللّه لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به ، فلما جلس إليهم قالوا : ما وراءك يا أبا الوليد ؟ قال : ورائي أني سمعت قولا واللّه ما سمعت مثله قطّ ، واللّه ما هو بالشّعر ، ولا هو بالسحر ، ولا بالكهانة » « 1 » . وفي رواية أخرى : أرسل الكفار عتبة بن ربيعة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليكلمه وكان حسن الحديث ، عجيب البيان ، بليغ الكلام ، وأرادوا أن يأتيهم بما عنده ، فقرأ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « حم » فصلت من أولها حتى انتهى إلى قوله : فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ [ فصلت : 13 ] ، فوثب مخافة العذاب ، فاستجلوه ما سمع ، فذكر أنه لم يفهم منه كلمة واحدة ، ولا اهتدى لجوابه « 2 » . فعلينا ألا نبالغ في تأثر معاصري نزول الوحي بالأنغام القرآنية ، فالذي يتضح من الرواية أن هذا الكافر قد ذهل بالعقاب المتجلي في حادث كوني هائل وهو الصاعقة ، ولم يفهم من الرواية أنه تعلق وأعجب بالجانب الشكلي وهو الموسيقا ، لأن مجرد التعلق بالموسيقى يعني تخلي هذا العربي البليغ بالفطرة عن ملكة تفهم المعاني وتصويرها وتركيبها . فلا نذهب كثيرا مع الدكتور محيي الدين رمضان فيما رأى من التأثر
--> ( 1 ) سيرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ابن هشام : 1 / 313 . ( 2 ) انظر : الجامع لأحكام القرآن للقرطبي : 1 / 338 .