أحمد ياسوف

236

دراسات فنيه في القرآن الكريم

يقول الدكتور بدوي : « وأنت ترى في هذا التشبيه كيف مهّد له التمهيد الصالح ، فجعل لهم قلوبا لا يفقهون بها ، وأعينا لا يبصرون بها ، وآذانا لا يسمعون بها ، ألا ترى نفسك بعدئذ مسوقا إلى إنزالهم منزلة البهائم ؟ » « 1 » . ونقف أخيرا عند العنكبوت التي قرئت بعمل الكافرين وتحصيلهم الفارغ في الدنيا ، قال عز وجل : كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ [ العنكبوت : 41 ] . وقد انتبه القدامى إلى المعالم النفسية التي تسكبها هلهلة بيت العنكبوت ، ودلّوا على العبرة من تجسيم العمل بهذا البيت ، قال الرماني : « تشبيه قد أخرج ما لا يعلم بالبديهة إلى ما يعلم بالبديهة ، وقد اجتمعا في ضعف المعتمد وو هاء المستند ، وفي ذلك التحذير من حمل النفس على الغرور بالعمل على غير يقين » « 2 » . فقد نبّه على تجسيم المعنى المجرد وهو الأعمال القبيحة بصورة مرئية تعتمد التشبيه المركب ، ودلّ على طبع هذه الحشرة ، ليعطي البعد الإنساني لذكرها ، واهتمامه يرتكز على البيت لا على الحشرة ذاتها وشكلها البشع المقزز وما يضفي هذا على طبيعة الكافر . وانشغل الزمخشري بتذييل الآية الذي يقدم فكرة جليلة وهو قوله تعالى : وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [ العنكبوت : 43 ] فقال : « أي لا يعقل صحتها وحسنها وفائدتها إلا هم ، لأن الأمثال والتشبيهات إنما هي الطرق إلى المعاني المحتجبة في الأستار » « 3 » .

--> ( 1 ) من بلاغة القرآن ، ص / 205 . ( 2 ) ثلاث رسائل في الإعجاز ص / 78 وراجع : الحيوان للجاحظ : 3 / 38 . ( 3 ) الكشاف : 3 / 206 .