أحمد ياسوف

237

دراسات فنيه في القرآن الكريم

فوعي انتقاء الحيوان للمعاني يحتاج إلى تمحيص وتدبر وربط علاقات نفسية ، وذلك لفهم إيحاءات جمة يفهمها العالمون بتدبرهم وتذوقهم ، ففي هذا التذييل هنا تعريض يجهل هؤلاء المعترضين على القرآن الكريم ، وكلما ازداد المرء معرفة بهذه الحشرة وسلوكها المشين وقتلها لزوجها وقتل أسرتها بالخيوط أدرك شناعة الكافر وضرره في المجتمع . ولن نستفيض في البحث ، ونستقصي جميع الحيوانات المذكورة في الصورة الفنية ، حسبنا أن نقدم نماذج ، لكن بقي أن نورد ما ذكره الدكتور أحمد فتحي عامر مركزا على الحشرة ذاتها ، إذ قال : « والعنكبوت أقذر ما تقع عليه العين ، حيث لا يألف إلا الأماكن المهجورة ، ولا يعيش إلا في الخرائب ، ولا يصح في حكم العقل ، أو في حكم العاطفة والوجدان ، أن تكون هذه العنكبوت على حظ ، ولو قليل من النظافة الحسية والنظام ، وبيتها أوهن البيوت بالاستقراء ، لأنه لا يحتمل نفخة واحدة ، فتتطاير خيوطه المهوّشة مع الريح ، والعلاقة بين الهيئة الأولى والهيئة الثانية علاقة نفسية ، فعبّاد الوثن يتخذون أحقر أنواع العبادة ، ولا يصحّ في حكم العقل ، أو في حكم العاطفة ، أن يكون هؤلاء الذين يسجدون لصنم على حظ ، ولو قليل ، من النظافة المعنوية والعفة والترفّع عن الدّنايا » « 1 » . ويمكن أن نجمع بين الطرفين قذارة الحشرة وبيتها الزري بأن القرآن الكريم قصد إلى بيان تفاهة أعمال الكفرة وسلوكهم الدنيوي معا ، فقد ركز القرآن على العنكبوت مؤخرة بهذا البيت الموحي بالخوف واتباع الكفرة لوسائل الدمار ، وأنهم ضد الإنسانية والاجتماع والتقدم ، بل مكان هذه الخيوط في الزوايا يشي بضيق الفكر عند الكفرة وتعصبهم وانكماشهم البغيض .

--> ( 1 ) المعاني الثانية في الأسلوب القرآني ، د . أحمد فتحي عامر ، ص / 427 .