أحمد ياسوف
235
دراسات فنيه في القرآن الكريم
مشهد قطع المسافات الشاسعة والهرب من الحيوان المفترس فهنا لقطة بعيدة فالجمع يزيد من التعبير عن الخوف ويجلّي مشاعر الابتعاد والنأي عن الاستجابة للدين القويم . أما آية الجمعة فقد جاء فيها الحمار في حال الإفراد ، لكي ينصب البصر والاهتمام على جزئية معينة ، وهي لقطة قريبة تجلّي جزئية ذات توتر نفسي ، فنرى لا مبالاة الحمار التي لا نراها من بعيد ، ونرى مشهد الكتب المتراكمة فوقه ، فاللقطة البعيدة لا تفيد في رسم القسمات الدقيقة ، بل إن الإفراد يلمح إلى أن الانطلاق مع العلم أو المكوث مع الجهل أمر شخصي فردي ، في حين أن المخاوف مشاعر جماعية ، قد يسببها التجمع ، وأن كل فرد يفلّ عزيمة قرينه بالركض والهرب . بل إن للجمع جمالية أخرى ، وهي ما لفت النظر إليه الدكتور نور الدين عتر عند تلمّس جمال التعبير في الصيغة ، إذ يقول في تفسير الآية : إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [ لقمان : 19 ] : « صورة منفرة غاية التنفير ، تزيدها بشاعة صيغة الجمع « الحمير » ، وتوحيد كلمة « صوت » الذي يدل على صوت هذا الجنس البالغ غاية القبح بسبب ارتفاعه وصخبه » « 1 » ، وثمة مقابلة بين صوت وأصوات ، مما يعني منع سيطرة الفرد على الجماعة ، وأن الفاعل يغدو ممتلكا حجم أصوات ويغدو بعدئذ كالحمار في صوته . والملحوظ أن البيان القرآني يمهد لدخول المشبه به مما يعد عاملا في ثباته واستحقاقه للموقف ، وهذا ما نبّه عليه الدكتور أحمد بدوي بإزاء الآية الكريمة : لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ [ الأعراف : 179 ] .
--> ( 1 ) في تفسير القرآن الكريم وأسلوبه المعجز ، د . نور الدين عتر ، ص / 83 .