أحمد ياسوف
234
دراسات فنيه في القرآن الكريم
والحمار الوديع الصبور تنتزع منه صفة الصوت القبيح النهيق لأجل التأديب في الكلام ، وتوقير المجالس ، قال تعالى : إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [ لقمان : 19 ] على لسان لقمان يؤدب ولده ، فهو حيوان مفيد للركوب لكنه يذكر في الصورة البصرية في مجال التشنيع والتسفيه . ونجد في كلام الزمخشري إزاء هذه المفردة جدة وعمقا ، إذ يقول : « والحمار مثل في الذم البليغ والشتيمة وكذلك نهاقه ، ومن استفحاشهم لذكره مجرّدا وتفاديهم من اسمه أنهم يكنون عنه ، ويرغبون عن التصريح به ، فيقولون : الطويل الأذنين كما يكنى عن الأشياء المستقذرة ، وقد عدّ من مساوئ الآداب أن يجري ذكر الحمار في مجلس قوم من أولي المروءة ، فتشبيه الرافعين أصواتهم بالحمير ، وتمثيل أصواتهم بالنهاق ، ثمّ إخلاء الكلام من لفظ التشبيه ، وإخراجه مخرج الاستعارة ، وأن جعلوا حميرا ، وصوتهم نهاقا ، مبالغة في الذم والتهجين » « 1 » . ومما يضاف هنا أن مقولة الزمخشري تنطبق على كل الصور البصرية التي استخدمت الحمار ، مثل قوله عز وجل في وصف اليهود : مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً [ الجمعة : 5 ] ، وقوله في وصف الكفرة وتخلصهم من الدعوة : كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ( 50 ) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ [ المدثر : 50 - 51 ] . وكان في الإمكان الكلام على الصوت المزعج للحمار ، وقد يكون أحيانا بلا سبب كما يرفع بعض الناس أصواتهم لأجل فقّاعة من فقاقع الحياة وقشورها البالية ، وثمة لفتة جمالية في الإفراد والجمع في الآيات التي ذكرت الحمار ، فهم حمر بالجمع لأن الدلالة مهمة لأجل وصف
--> ( 1 ) الكشاف : 3 / 234 وراجع ما كتب مفصلا عن الحمار في مفاتيح الغيب للرازي .