أحمد ياسوف
226
دراسات فنيه في القرآن الكريم
القرآن الكريم بالعصف المأكول عن مصيرهم إلى العذرة ، فإن الورق إذا أكل انتهى حاله إلى ذلك ، تأمّل هذه الكناية ، إن فيها من ألوان الأدب والجمال ما لا يستقلّ به بيان ، وفيها من الإيجاز اللطيف ما يعجز عن وصفه مهرة صنّاع الكلام ، أما الأدب والجمال ففي التعبير من العذرة بالعصف المأكول ، وهذا التعبير مما انفرد به القرآن فلا يوجد في غيره ، وأما الإيجاز اللطيف ففي اختصار مقدمات لا أهمية لها بالتنبيه على النتيجة الحاسمة التي يتقرر فيها المصير ، وفيها زيادة على ذلك التلازم الوثيق بين اللفظ والمعنى الكنائي الذي لا يتخلف أبدا ، فإن العصف المأكول لا بد من صيرورته إلى العذرة » « 1 » . ومن مظاهر هذا الإحكام الفني أن القرآن الكريم اختار النبات في الصورة البصرية وأحكم اختياره بنزع صفة الحياة عنه عندما وصف الكفار كما أسلفنا ، فالخشب مسندة ، والعصف مأكول وأعجاز النخل خاوية ، ومنقلعة من جذورها ، كل هذا يعني النقص . أما في وصف المؤمنين فقد اختار النبات الحي ، قال عز وجل : ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [ الفتح : 29 ] والشطء : فرخ الشجر وأوله ورقه . وهكذا نجد في الآية النفس الطويل المعبر عن شكل قصصي ، كل حلقة تؤدي إلى التي تليها برابطة ، إنها الخيرية والنماء والسيرورة نحو الكمال ، فالتشبيه بالزرع يدل على حيوية ونشاط ، خصوصا بإحكام المشبه به بمؤازرة الشطء ، والاستغلاظ والاستواء ، مع ما تفيد الفاء من سرعة في النماء .
--> ( 1 ) الإعجاز الفني في نظم القرآن . د . محمد السيد شيخون ، ص / 110 .