أحمد ياسوف
225
دراسات فنيه في القرآن الكريم
واحدة ، ثم تتناثر في الفضاء وهذا يعني أن مساحة المشهد آخذة في الاتساع في كل الاتجاهات ، هذا التمدد قد أرشدنا إليه التمدد اللغوي بالوصف ، « كالعهن المنفوش » . ويمكن أن نذكر بعض الآيات لتكون مصداقا لهذا الإحكام الذي ذكره الدكتور بدوي ، إذ قال عز وجل : أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ [ إبراهيم : 18 ] ، وكذلك قوله في وصف أعمال الكفرة أيضا : أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ [ النور : 40 ] . وهكذا أتبع الرماد بذكر الريح العاتية ، وقد تبين لنا كيف أضرب البيان الإلهي عن الحجارة في وصف قسوة اليهود فقال : كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [ البقرة : 74 ] ، ليصمهم بأنهم أقسى من الحجارة ، وهذا ما يشدّ الانتباه ، ويفسح المجال لتخيّل قلوب صلدة ، والجدير بالذكر أن هذا الإحكام لا يقتصر على مفردات الجماد . وتدخل الآية الكريمة التي ذكرناها قبل قليل : فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ [ الفيل : 5 ] تدخل ضمن ظاهرة الإحكام في بناء الصورة ، فقد وصف الزرع بأنه مأكول ليزيد التصوير من قبحهم ، فقد أكلت الدواب هذا الورق ، فغدا غير ذي نفع وفاقدا الجمال ، ففي الكافرين دائما انتفاء الخيرية وانتفاء الجمال . بل إن لفظ « مأكول » هنا مرعب ، إذ يصوّر لنا أصحاب الفيل أجسادا ناقصة من أثر ما تركته الطير الأبابيل ، فإن ما حمله الطير من جمر أذاب بعضا من الأجساد ، فصارت متآكلة مرعبة وعفنة ، وهو مشهد مرعب خصوصا مع الكثرة ، ومع المصدر الغيبي لهذا العون القوي . وقد وجد الدكتور محمود السيد شيخون في هذه الآية كناية مع التشبيه ، وتوصل إلى بعض اللطائف في التعبير القرآني ، إذ قال : « كنى