أحمد ياسوف

218

دراسات فنيه في القرآن الكريم

كان المشهد إدراكا حسيا فثمة ما هو غير مرئي خارج المشهد تعبر عنه الجزئيات الحسية ، وهذا ما لم يهمله تملّي البلاغيين القدامى . وفي هذه السمة القرآنية يقول الدكتور بدوي : « ليس الحس وحده هو الذي يجمع بين المشبه والمشبّه به ، ولكنه الحس والنفس معا ، بل إن للنفس النصيب الأكبر والحظ الأوفر » « 1 » . ونجد في الحجارة تعبيرا حسيا عن القوة والقسوة ، بل إنها تبرز في شكل غير معهود ، كما في قوله عز وجل في طلب معجزة غير القرآن : فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ [ البقرة : 24 ] ، وهكذا تغدو الحجارة وقودا مغذّيا لنار جهنم ، بل وجودها إلى جانب الناس يزيد في تصوير قساوتهم وصلفهم ، فكيف تكون الحجارة جمرات كبيرة ، ويكون الناس كذلك ، إن هذا مما لا يعهد في المشاهدات ، وهو مشهد دائم كما أشار إلى ديمومته حال الثبات بالاسمية بعد اسم الموصول « التي وقودها الناس والحجارة » . وقد تلمس سيد قطب ملامح نفسية لوجود الحجر في هذا السياق ، إذ كثيرا ما يلفت نظرنا المعاصرون إلى إيحاء التأثير الكامن في اختيار عناصر الطبيعة في الصورة البصرية ، وذلك يفوق اهتمامهم بجودة التصوير الحسي ، فثمة انتقال ربما كان سريعا من اللوحة إلى خارج إطارها . يقول قطب عن الآية السابقة : « لا يستجيبون فهم إذن حجارة ، وإن تبدّوا في صورة آدمية من الوجهة الشكلية . . على أن ذكر الحجارة هنا يوحي إلى النفس بسمة أخرى في المشهد المفزع مشهد النار التي تأكل

--> ( 1 ) من بلاغة القرآن ، ص / 192 وراجع مثلا : نظرية الأدب ، ويليك ، ووارين ، ص / 195 .