أحمد ياسوف
219
دراسات فنيه في القرآن الكريم
الأحجار ، ومشهد الناس الذين تزدحمهم هذه الأحجار في النار » « 1 » ، والأحجار مربكة للماشي والجالس في البرد في عالم الشهود ، فكيف إذا كنت في النار الأخروية . كذلك نقف عند قوله تعالى في تشبيه قلوب اليهود بالحجارة : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [ البقرة : 74 ] ، وهاهنا حال تجسيم للمشاعر الجافية ورعونة التصرفات وجلافة الخلق ، فالحجارة رمز قسوة وثبات . يقول الدكتور بدوي : « ويجعل القرآن في الحجارة المثال الملموس لقسوة قلوب اليهود ، ويبعدها عن أن تلين لجلال الحق وقوة الصدق ، ألا أن القسوة عندما تخطر بالذهن تخطر إلى جوارها الحجارة الجاسية القاسية » « 2 » . فالقرآن الكريم استمد من الطبيعة ما هو واضح لقضية القسوة ، ولكن النظر في سياق الآية يضع أيدينا على شيات ذهنية وفيرة ، وفضاءات واسعة للمفردة ، فالقساوة مع أن ربطت بالقلوب خرجت في معجميتها الحرفية وتخلصت من بعض سماتها الحسية كما في الطبيعة خصوصا أن البيان القرآني أفسح المجال للخيال البشري ليتصور المرء كيفية وجود قسوة نفسية تتجلى في شيء أقسى من الحجر ، ولعل كاف التشبيه تبين أن العلاقات نفسية أكثر منها حسية ، فلا بد من شيء من التوقع والإيحاء . هذه المفردة الحجارة ، جعلتنا أمام صورة مركبة ، إذا نظرنا إلى تمام الآية : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ
--> ( 1 ) في ظلال القرآن ، مج / 6 : 27 / 3465 . ( 2 ) من بلاغة القرآن ، ص / 194 ، وانظر : بينات المعجزة الخالدة ، ص / 279 .