أحمد ياسوف

217

دراسات فنيه في القرآن الكريم

الجمادات المشكلة للصورة القرآنية تحتوي المواقف ولا تقف عند حد التجميل . يقول : « ومن خصائص التشبيه القرآني المقدرة الفائقة في اختيار ألفاظه الدقيقة المصوّرة الموحية ، تجد ذلك في كل تشبيه قرآني ، فقد شبّه القرآن الموج في موضعين فقال : وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ [ هود : 42 ] ، وقال : وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [ لقمان : 32 ] ، وسرّ هذا التنوع أن الهدف في الآية الأولى يرمي إلى تصوير الموج عاليا ضخما ، فتستطيع كلمة الجبال أن توحي به على النفس مع أن السفينة محوطة بالعناية الإلهية ، فليست في خطر الغرق ، أما الآية الثانية فتصف قوما يذكرون اللّه عند الشدة وينسونه لدى الرخاء ، ألا ترى أن الموج يكون أشد إرهابا ، وأقوى تخويفا إذا هو ارتفع حتى ظلّل الرؤوس » « 1 » . والمقصود في الآية الأولى نوح عليه السلام وقومه ، فأصحاب السفينة في الآية الأولى هم مؤمنون ، وفي الآية الثانية قوم جاحدون لنعمة الخالق ، ولذلك اختلفت حال الموج في الصورتين بين الرحمة والعقاب . وكلمة « ظلل » توحي بالقرب والتماس ، مما يرعب القلوب أكثر من وصف الموج بالجبال التي قصد فيها مجرد ضخامة الأمواج وليس التخويف ، بل إن الظّلل توحي بالإحاطة والاستعلاء مما يعني الشعور بالرعب مع الاختناق لدى هؤلاء الداعين . وهكذا نجد أن التصوير القرآني لا يكتفي بإجراء المقارنات الحسية إذا كان طرفا التشبيه حسيين ، فللإيحاء نصيب وفير في الصور البصرية ، فإذا

--> ( 1 ) من بلاغة القرآن ، ص / 198 ، وانظر : بينات المعجزة الخالدة ، د . حسن ضياء الدين عتر ، ص / 280 .