أحمد ياسوف
216
دراسات فنيه في القرآن الكريم
ثم أصبحا ملامسين بالمطر ، ثم صارا خطرا لتوقع الصاعقة التي تسقط وتحرق ما تنزل عليه . وما دمنا مع صور الفضاء لا بد من ذكر الآية الكريمة : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً [ النور : 39 ] ، وقد ذكرناها في فقرة التجسيم ، وهاهنا يتجلى السراب المعهود في الفيافي - يتجلى في شيات حسية وروحية لاقترانه بالأعمال القلبية والجسدية وعواقبها . وقد تنبه القدامى إلى القيمة النفسية لهذه الكلمة من خلال تركيزهم على تجسيمها للمعنى ، قال ضياء الدين بن الأثير : « تشبيه معنى بصورة ، وهذا القسم أبلغ الأقسام الأربعة لتمثيله المعاني الموهومة بالصور المشاهدة » « 1 » . ولا شك أن كلمة « المشاهدة » في عبارة ضياء الدين تنم عن معنى الطبيعة المستمرة التي اختارها البيان القرآني لصوره البصرية ، مما يعني أن القدامى قد أدركوا هذه السمة الفنية . ونلحظ في الآية إفراد كلمة السراب ، وذكر ( قيعة ) التي هي جمع قاع التي تبدو أصواتا مستمرة لما يمر من حيوانات مفترسة ، والتقابل بين إفراد السراب وجمع قيعة يدل على زيادة إبراز الضياع والتشتت ، ويتبع هذا إبراز الضعف البشري لحظة العطش ، فإنه ليس سرابا لأي شخص بل للظمآن ، فثمة حضور حسي وتوقيع على النفس وهلع وجودي . ونقف عند كلمتين : الجبال والظلل ، وكلاهما بحجم كبير لهما وجودهما الجليل رغم تقدم الإنسانية ، وقد تملّى الدكتور بدوي جمالية الفرق بين تشبيه الموج بالجبال في مكان ، وتشبيهه بالظل في مكان آخر ، وبحث في الموقف الشعوري الموائم بكل منهما مما يدل على أن
--> ( 1 ) المثل السائر : 2 / 142 .