أحمد ياسوف

210

دراسات فنيه في القرآن الكريم

سلوك المسلم ، والطبيعة كلها تتحرك ، والجدير بالذكر أن الأحاديث التي خصت النخلة بالتكريم كثيرة لأنها مثل للعطاء الكثير مع الأخذ القليل فهي تمثل الناس الكمّل والنموذج الأعلى في الإسلام ولأنها الغذاء اليومي ، ولقربها من العرب وكثرتها في أراضينا حرسها المولى . هذا في الطبيعة النامية التي يفيد المرء من ثمارها اليانعة فلا يستغني عنها ، وثمة علاقة حب بين الإنسان والجماد كما في الحديث الصحيح عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال في جبل أحد « هذا جبل يحبنا ونحبه » « 1 » . فليس يقتصر الأمر على مشاعر إنسانية من الإنسان ، بل إن للجبل لواعجه وأشواقه ليصبح هو أيضا ممن يكنّ المودة ، بل إن الحديث جعل محبته هي السابقة ، ولم يكتف بالتشخيص الرائع الذي أسبغ عليه مشاعر إنسانية عليا ، وهذا قرين ما هو معروف في السيرة النبوية المباركة من حنين الجذع إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعد انتقاله عنه ، فالسنة رسخت مفهوم روحانية الكثير من الجمادات كالنار مشخصة بوساطة فكرة دينية أو أدبية ، فهي تنتظر المجرمين والكفرة وتشتكي ، ويسند إليها إجراء حوار في تلك العوالم الغيبية ، لكن بقي أن نقول إن الإسلام رفع من شأن الطبيعة وروحانيتها وصحح النظرة الخاطئة التي ألهتها بوصفها قوى شديدة شريرة على الأغلب . أما الأحياء فقد وضعت في السنة الموضع الموافق لمنهج القرآن ، ففيها فائدة نفعية قائمة على الحواس الدنيا : الشم والذوق واللمس ، فهناك لذة اللحوم وفراء الجلود ، وفيها الفائدة الجمالية ، وقد دلت السنة النبوية على الرأفة بالحيوان كما دعت إلى الرحمة عموما ، فحضت على الإشفاق على الحيوان تقرّبا من خالقه ، فسبقت ما يدور على الألسنة في

--> ( 1 ) البخاري الزكاة ح ( 1411 ) ، ومسلم في الحج ح ( 1392 ) والترمذي في المناقب ح ( 3918 ) ، وأبو داود ، الخراج والإمارة ح ( 3079 ) .