أحمد ياسوف
211
دراسات فنيه في القرآن الكريم
عصرنا من هذه الدعوى القائمة على ترف ذهني لا يعرف أصلا الرحمة تجاه الإنسان . كان الإنسان في أعلى سلم المخلوقات في السنة كما في القرآن تم ثم تبعته الإحياء ، وجعل التعامل الحسن مع الأحياء من الإحسان الذي يثاب عليه المرء ، وبالمقابل يكون الوعيد الشديد لمعذب الحيوان كما في حديث صحيح عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت ، فدخلت فيها النار ، لا هي أطعمتها ولا سقتها إذ حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض » « 1 » والخشاش الهوام والحشرات أو النبات . وصحّ في حديث طويل أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « في كل كبد رطبة أجر » « 2 » وذلك في أسلوب فني لأن الكبد جزء من الحيوان الراقي خلافا للحشرات ، وكلمة رطبة توحي باستخدام الليونة واللمس الحنون لذلك العضو الرطب ، حتى كأن الحيوان كله كبد رطبة ، بل إن الرحمة النبوية شملت طريقة الذبح والتخلص من الحشرات . وفي حديث آخر ، يذكر فرخ الحمّرة ، وهي نوع من الطيور ، فيقول عليه الصلاة والسلام في حديث « من فجع هذه بولدها ، ردوا ولدها إليها » « 3 » وقد آثر البيان النبوي لفظة [ فجع ] على لفظ أخذ ولدها ، إنها فجيعة مرتبطة برقي الأعماق ، فلهذه مشاعرها الراقية ، ثم إنه آثر أيضا لفظة ( ولدها ) على فرخها لأن الأخيرة مقتصرة على الطبيعة الحيوانية فقط ، بل قال ولدها إشباعا لمعنى الفجيعة وإشعارا لأهمية غريزة
--> ( 1 ) البخاري ، الأنبياء ح ( 3295 ) ومسلم ، الحيوان ح ( 2242 ) والدارمي ، الرقائق : 2 / 330 . ( 2 ) البخاري ، المساقاة ح ( 2234 ) ومسلم ، في السلام ح ( 2244 ) وأبو داود ، الجهاد ح ( 255 ) . ( 3 ) أبو داود في الجهاد ح ( 2675 ) .