أحمد ياسوف
205
دراسات فنيه في القرآن الكريم
وقد ساءت العلاقة بين الإنسان والطبيعة كثيرا من الأحيان في الأزمان الغابرة فاتخذت هذه العلاقة مسارا جنف عن جادة الصواب في فهم ما أودعه اللّه في الكون ، فصارت عناصر الطبيعة تمتلك الأرواح الشريرة ، فيهابها الإنسان ويكرهها ويعاديها ، بل كان يتقي شرها في فترات طويلة كما هي الحال في عبادة الكواكب ، وقد وجد بعض الدارسين أن الطبيعة تكون سلوكا معينا تبعا لماهيتها ، فالجفاف والجدب ووعورة الحياة هي التي حددت القيم الأخلاقية عند العرب ، فشعور العرب بالضعف أمام قوة الطبيعة وقسوتها هو الذي فرض عليهم تقديس القوة والبسالة وهو الذي جعلها من مبادئ السيادة عند العربي « 1 » ويبدو لنا أن منشأ هذا السلوك يتجاوز الطبيعة الحسية إلى أسباب اجتماعية واسعة ولا يعمم هذا على كل العرب ، فقد كانت لديهم جنات في الطائف وبنو ثقيف يقدسون البسالة وشدة المراس في القتال . وفي التراث اليوناني يظهر أن للمطر إلها ، وللبحر إلها ، وللجبال إلها ، ناهيك عن آلهة الحب والشعر والحرب ، ولعل هذه العلاقة السيئة هي التي أنتجت هذه الخرافات مما يناسب فترة انحطاط بشري نشأت عن ضياع الحق وعبادة غير اللّه ، فلا شك أن المبدأ الديني الصحيح يوضح أن الإنسان يعلو على الطبيعة ، لأنه سيد في هذا الكوكب ، منوطة به مهمة العمارة ، وما الأساطير التي تتجلى فيها هيمنة الطبيعة وألوهية مفرداتها ما هي إلا نكسة بعد استقامة الدين ، فإذا نسي الدين تخلخلت العمليات العقلية وعمت الجهالة ، فليست الأساطير أساس الدين كما هي أراجيف الملاحدة المبطلين . إن أول ما يسترعي النظر في آيات القرآن الكريم حضور الطبيعة في
--> ( 1 ) انظر : الاتجاه النفسي في نقد الشعر ، د . عبد القادر فيدوح ، ص 297 .