أحمد ياسوف

206

دراسات فنيه في القرآن الكريم

تصويرها ، وتلك العلاقة الوشيجة الطيبة ، علاقة الانسجام الإيجابي والوئام بين الإنسان والطبيعة ، فليس ثمة عداء ولا تخوف ولا تأليه ، إذ كلاهما : الإنسان والطبيعة مخلوقان ، فلا يسجد مخلوق لمخلوق بل يسخره بأمر اللّه ، فالذي كان إلها يضحي مسخرا ، وقد سفّه القرآن تأليه الكواكب ، ودل على جهالة المؤلّهين . وجمال الطبيعة آية يستدل بها القرآن على وجود اللّه عز وجل وقدرته وتدبيره وبيان نعمته ، قال تعالى : وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [ فصلت : 12 ] ، والآيات في هذا الشأن كثيرة ، وتعد حججا بالغة دالة على عظمة الخالق ، وتستند إلى ما أودع اللّه في الطبيعة من آيات الجمال . نستنتج هنا أن الطبيعة مظهر لقدرة اللّه وترسيخ لمعنى وحدانيته وكماله ، والنظام الذي تسير وفقه مما يعجز البشر إشارة واضحة على وجود الخالق ، قال تعالى : ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ( 3 ) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ [ الملك : 3 - 4 ] وخاسئا : ذليلا لعدم إدراك خلل ، وحسير : منقطع عن رؤية خلل . ولا تقف الطبيعة في القرآن محايدة ، بل تتمتع ببعد خلقي لأن فيها دعوة إلى الأفضل والأجمل من حيث الترغيب والترهيب ، وإلى معرفة علة وجودها ، وقريب من هذا ما ذكره سانتيانا : « لكي يرى المنظر الطبيعي يتحتم علينا أن نألفه ، ولكي نحبذه ينبغي أن نضفي عليه مدلولا خلقيا » « 1 » . والإنسان يسخر الطبيعة عمليا في شؤون حياته ، فيزرع ويحصد ،

--> ( 1 ) الإحساس بالجمال ، جورج سانتيانا ، ص 156 .