أحمد ياسوف

190

دراسات فنيه في القرآن الكريم

وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا [ الجاثية : 28 ] ، وكلمة « جاثية » تؤكد بإفرادها وحدة المشهد وتعطينا صورة عرضية هائلة : أفراد في قطعة واحدة وحركة واحدة ، وهي « تعبر عن حال الأمم وهي بين يدي خالقها يوم الحساب ، ملتصقة على ركبها ، خائفة ذليلة ، وهي بهذا الجثو - والرؤوس مطأطأة إلى الأرض - تشير إلى الرغبة في شق الأرض من هول ذلك اليوم ، لكنها لا تجد من نفسها قوة ، فتزداد انكسارا وخضوعا » « 1 » . ونذكر هنا بعض الشواهد ، نرصد فيها جمالية الحركة البطيئة قوية كانت أو رشيقة ضعيفة ، ومن هذا إمداد الصعود إلى السماء ، قال تبارك وتعالى : مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ [ الحج : 15 ] ، وسنعود إلى هذه الآية في الفصل الموسيقى ، إذ نؤكد أن ورود الدال أسعفنا بالصوت لنتصور التدرج في الصعود ، ولا شك أنها حركة بطيئة لا تتحقق مع السرعة . ويساعد التضعيف في الفعل على إبراز البطء في الصعود والأغلب أن كل صعود على أية حال أبطأ من النزول ، ولنتأمل حركة التصعد المجسّمة لطبع الانكماش إزاء الإيمان ، قال تعالى : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ [ الأنعام : 125 ] . فالانشراح حركة داخلية بطيئة آخذة في الاتساع إلى غير مدى ، ولنا أن نلتمس هذا في تفشي الشين وبحة الهاء ، وهذا يتضاد ومع حركة التصعد ، حيث الضيق المتجلي بالشّدتين على الصاد والعين ، وهذا الصعود البطيء يوائم ضيق الفكر وهو ليس بشاقولية رفعة وليس علوّا مقدسا ، بل هو ضياع وتشتت ، والجدير بالذكر أن هذا الإطار الفني أصبح حقيقة فلكية

--> ( 1 ) الإعجاز الفني ، ص 97 .