أحمد ياسوف
191
دراسات فنيه في القرآن الكريم
اليوم ، إذ يؤكدون أن طبقات الغاز أقل كثافة كلما ابتعدت عن محيط الأرض إلى أن تنعدم ، فكلما صعد المرء شعر بضيق متزايد . وكذلك الحركة البطيئة في مد العينين ، قال تعالى : لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ [ الحجر : 88 ] ، فمدّ العينين يحتاج هنا إلى استيفاء النعم وصنوفها وإلى استيفاء حامليها ، ولعلّ في الشّدتين ما يرشدنا إلى هذا البطء . والمدّ أينما حلّ من السياقات فهو منوط بالبطء ، فمع الكفرة قال تعالى : وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [ البقرة : 15 ] ، لأن هذا الإمداد يواكب توالي الأيام والسنوات ، فلا شك أنه حال تراكم مع مر الزمن ، ومع كل حادثة يقسو فيها القلب . وكذلك العذاب المستديم يزداد إيلاما وقهرا مع البطء ، قال تعالى : كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا [ مريم : 79 ] ، لأن هذا المد يتزامن معه صنوف متوالية من العذاب ، وكأن في الكلمة ما يوحي إلى تطاول العذاب وتمطيه داخل جسد الكافر . وفي مظاهر النعمة أثبت البيان القرآني أن مدّ الظل حركة وليست سكونا ، قال تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً [ الفرقان : 45 ] ، والمشاهد العياني يظن أنه لا يتحرك من كثرة بطئه . وفي قصة أهل الكهف قال عز وجل : وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ [ الكهف : 16 ] ، فههنا حال انسياب يجسم الرحمة ، وهو انسياب يفضي إلى اتساع لطيف في مساحة الرحمة ، والمضارعة تعضد مشهد البطء الذي يناسب وجود الرحمة في كل حال وموقف . وكذلك نشر الرحمة في قوله تبارك وتعالى : إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ [ الإسراء : 30 ] ، فلا تتطلب الرحمة الحركة العنيفة ، فلا بد