أحمد ياسوف

19

دراسات فنيه في القرآن الكريم

وما دام الأديب يتعامل مع المفردة تعاملا شعوريا وجدانيا فهو سينقل المشاعر في صيغ مغايرة للاستعمال المعهود مما يوائم حجم مشاعره ، فلا تنتهي غايته عند صياغة الفكرة فحسب ، بل عند بث الروح في حنايا الكلمات وتحميلها طاقة ودلالات منبثقة من السياق ، هذه الدلالات الهامشية هي التي يحوم حولها المتلقي . وما دامت الكلمات بدائل حسية مروحنة عن الأديب ، فهو يعايشها وفق عملية جدلية ، يؤثر في الانتقاء ويؤثر في مساحتها النفسية ، وهذا يحوجه إلى وقفة ذوقية وتأملية ظاهرية تسعى إلى الكشف عن بواطن الظواهر في عملية الانتقاء ، لأن الكلمة سترسم صاحبها بملامح جسدية ، وملامح ذهنية ، في سجلّ خيالي ، فينبغي أن يتعرفها قبل اتساقها بين أخواتها وأدوات التركيب ، فهو يغربل المفردات ، لأنه يخشى مغبة الزلل . يقول جان برتيليمي مشيدا برفعة الكتابة الأدبية وامتيازها : « في الوقت الذي يهتم فيه الفيلسوف بالحقائق والأفكار فحسب ، ويقف فيما وراء الألفاظ ، يقف الشاعر فيما قبلها ، لأنها ليست بالنسبة إليه علامات فحسب ، بل هي كذلك ، وقبل كل شيء ، كائنات ينظر إليها ويفحصها ، ويتأمل فيها ، ويعجب بها ، كما يعجب الإنسان بحصاة ، أو بحشرة أو بطير ما » « 1 » . ومثل هذا الكلام صار بديهيا في ساحة الدراسات الأدبية ، ولكن ينبغي تأكيده والحضّ عليه ، لتثبيت قاعدة انطلاقة الدراسة الأدبية من النص نفسه ، والعودة إلى جزئياته الكبيرة كالمقاطع وجزئياته الصغرى

--> ( 1 ) بحث في علم الجمال ، جان برتيليمي ، ص 286 .