أحمد ياسوف

179

دراسات فنيه في القرآن الكريم

ابن أم مكتوم ( - 23 ه ) رضي اللّه عنه الرجل الأعمى ، إذ يصور السعي لهفة هذا الأعمى إلى تعلم الدين ، فليس وجود « يسعى » هنا إلا لغاية جمالية أعلق بالمضمون ، فهي ترسم مشاعر من لا يعهد به إلا المشي المتعثّر البطيء ، لأنه أعمى الباصرة ، وقد أشرق الإيمان في حنايا صدره ، وليس الأمر كما نرى ، موافقة لروي الفواصل كما توهم بعض الدارسين قديما مثل الفراء ( - 187 ه ) . وهناك الحركة الموحية التي يتصف بها الناس في الحشر ، قال تعالى : * وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ [ الكهف : 99 ] ، فالسرعة في الفعل الماضي تركنا ، هذه السرعة تقدم لنا حركة مستمرة بحسب صيغة المضارع يَمُوجُ وتبعا لحركة الموج نتصور الناس في حال تمايل وعلو وهبوط وتداخل ، وكأنهم ذرات موجة من شدة تلاحمهم . وثمة فعل يذكر كثيرا في القرآن الكريم ربما لا ينتبه إليه الدارسون ، مثل قوله عز وجل : فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً [ المؤمنون : 41 ] ، وقوله : فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ [ الحج : 44 ] . ونتملى كلمة « فأخذتهم » فنجد صوتها يوحي بالسرعة والقوة ، إذ تتابعت في أولها الفتحات ، ثم جاء الضم في الهاء والميم ليبين التحاق هؤلاء بتلك الصيحة العظيمة ، والصور مثيرة للخيال ، لكونها رابطة بين المعالم الصوتية والمعالم الجسمانية فكأن الصوت العنيف حملهم منتزعا إياهم وكأنهم قطع صغيرة . أما الفعل « أخذتهم » فيسند إلى اللّه عز وجل ، فالقوة الغيبية تتجلى في الأخذ ، فكما أن الصيحة ليس لها اتجاه ومبدأ ، فكذلك القدرة الإلهية ، والأخذ غايته القوة المعبرة عن تلاشي المأخوذ ، إذ لا نعرف وجهة لهذه القوة ، ولا حجما معينا مما يزيد في الترهيب .